في المناظرات
للمناظرة ثلاثة شروط:
الأول: أن يجمع بين خضمين متضادين أو متباينين في صفاتهما بحيث تظهر خواصهما بالمقابلة كالربيع والخريف والصيف والشتاء،
والثاني: أن يأتي كل من الخصمين في نصرته لنفسه وتفنيد مزاعم قرنه بأدلة من شأنها أن ترفع من قدره وحط من مقام الخصم بحيث ميل بالسامع عنه إليه،
والثالث: أن تصاغ المعاني والمراجعات صوغاً حسناً وترتب على سياق محكم ليزيد بذلك نشاط السامع وتنمي فيه الرغبة في حل المشاكل.
ولنذكر لك عليها شذرات من أقوال الكتاب فنقول:
"مناظرة السيف والقلم لزين الدين عمر بن الوردي المتوفى سنة 749ه
لما كان السيف والقلم عتي العمل ولقول، وعمدتي الدول عدمتهما دولة فلا حول.
وركني إسناد الملك المعربين عن المخفوض والمرفوع ومقدمتي نتيجة الجدل الصادر عنهما المحمول والموضوع فكرت أيهما أعظم فخراً أو أعلى قدراً فجلست مجلس الحكم والفتوى ومثلتهما في الفكر حاضرين للدعوى وسويت بين الخصمين في الإكرام واستنطقت لسان حالهما للكلام، (فقال القلم): (بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) [هود: 41]، (وَالنّهَارِ إِذَا جَلاّهَا {3} وَاللّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا) [الشمس: 3 4] أما بعد حمد الله بارئ القلم ومشرفه بالقسم وجعله أول ما خلق وجمل الورق بغصنه كما جمل الغصن بالورق والصلاة على القائل جفت الأقلام فإن القلم قصب السباق والكاتب بسبعة أقلام من طبقت الكتاب السبع الطباق جرى بالقضاء والقدر وناب عن اللسان فيما نهى وأمر طالما أربى على البيض والسمر في ضرابها وطعانها واتل البعد والصوارم في القرب ملء أجفانها وماذا يشبه القلم في طاعة ناسه ومشيه لهم على أم رأسه، (قال السيف): بسم الله الخافض الرافع (وَأَنزْلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ ) [الحديد: 25] أما بعد حمد الله الذي أنزل آية السيف فعظم بها حرمة الجرح وآمن خيفة الحيف والصلاة على الذي نفذ بالسيف سطور الطروس وخدمته والأقلام ماشية على الرؤوس وعلى آله وصحبه الذين أرهفت سيوفهم وبنيت بها على كسر الأعداء حروفهم فإن السيف عظيم الدولة شديد الصولة محا أسطار البلاغة وأساغ ممنوع الإساغة من اعتمد على غيره في قهر العداء تعب وكيف لا وفي حده الحد بين الجد واللعب فإن كلن القلم شاهداً فالسيف قاضي وإن اقتربت مجادلته بأمر مستقل قطعه السيف بفعل ماضي به ظهر الدين وهو العدة لقمع المعتدين حملته دون القلم يد نبينا فشرف بذلك في الأمم شرفاً بينا الجنة تحت ظلاله ولا سيما حين يسل فترى ودق الجم يخرج من خلاله زينت بزينة الكواكب سماء غمده وصدق لقائل (السيف أصدق إنباءً من ضده) لا يعبث به الخامل ولا يتناوله كالقلم بأطراف الأنامل ما
هو كاللم المشبه بقوم عروا لبوسهم ثم نكسوا ما قبل على رؤوسهم فكأن السيف (خُلِقَ مِن مّآءٍ دَافِقٍ) [الطارق: 6] أو كوكب راشق مقدراً في السرد فهو الجوهر الفرد لا يشترى كالقلم بثمن بخس ولا يبلى كما يبلى القلم بسواد وطمس كم لقائمه المنتظر من أثر في عين أو عين في أثر فهو في جراب القوم قوام الحر ولهذا جاء مطبوع الشكل داخل الضرب (قال القلم) أمن ينشأ في المخصوص وهو في الخصام غير مبين يفاخر وهو القائم عن الشمال وأن الجالس على اليمين أنا المخصوص بالرأي وأنت المخصوص بالصدى أنا آلة الحياة وأنت آلة الردى ما لنت إلا بعد دخول السعير وما حددت إلا عن ذنب كبير أنت تنفع في العمر ساعة وأنا أفني العم في الطاعة أنت للرهب وأنا للرعب وإذا كان بصرك حديداً فبصري ماء ذهب أين تقليدي من اجتهادي، وأين نجاسة دمك من تطهير مدادي، (قال السيف): أمثلكم يعبر مثلي بالدماء فطالما أمرت بعض فراخي وهي السكين: فأصبحت من النفاثات فيعدك يا مسكين، فأخلت من الحياة جثمانك، وشقت أنف وقطعت لسان، ويك إن كنت للديوان فحاسبٌ مهموم، أو للإنشاء فخادم لمخدوم، أو للبليغ فساحر مذموم، أو للفقيه فناقص في المعلوم، أو للشاعر فسائل محروم، أو للشاهد فخائف مسموم، أو للمعلم فللحي القيوم، وأما أنا فلي الوجه الأزهر، والحلية والجوهر، والهيبة إذا أشهرن والصعود على المنبر، شكلي الحسن علي، ولم لا حملك الحطب بدلي، ثم إني مملوك كمالك، فإنك كناسك، أسلك الطرائق وأقطع العلائق، (قال القلم): وأليف الغدير وحليف الهواء، وأما أنت فابن النار والدخان، وباتر الأعمار وخوان الإخوان، تفصل ما لا تفصل، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، لا جرم شمر السيف وصقل قفاه، وسقي ماء حميماً فقطع معاه، يا غرب البين، ويا عدة الحين، ويا معتل العين، ويا ذا الوجهين، كم أفنيت وأعدمت.. وأرملت وأيئمت (قال السيف): يا بن الطين، ألست ضامراً وأنت بطين، كم جريت بعكس وتصرفت في مكس، وزورت
وحرفت، ونكرت وعرفت، وسطر ت وهجواً وشتماً، وخلدت عاراً وذماً، أشر بفرط روعتك، وشدة خيفتك، إذا قستن بياض صحيفتي بسواد صحيفتك، فألن خطابك فأنت قصير المدة، وأحسن جوابك فعندي حدة، وأقلل من غلظتك وجبهك، واشتغل عن دم في وجهي بمدة في وجهك، وإلا فأدنى ضربة مني تروم أرومتك، فنستأصل أصلك وتجحتث جرثومتك، فسقيا لمن غاب بك عن غابك، ورعياً من أهاتب بك لسلخ إهابك، (فلما رأى القلم) السيف احتد، الآن له من خطابه ما اشتد وقال: أما ألأدب فيؤخذ عني، وأما اللطف فيكةتس منس، فإن لنت لنت، وإن أحينت أحينت، نحن اهل السمع والطاعة، ولهذا نجمع في الدواء الواحدة منا جماعة، وأما أنتم فأهل الحدة والخلاف، ولهذا لم يجمعوا بين سيفين في غلاف، (قال السيف): أمراً ودعوى عفة، لأمر ا جدع قصير أنفع لو كنت كما زتعمت ذا أدب، لما قابلت رأس الكىاتب بعقدة الذنب، أنا ذو الصيت والصوت، وغرارء لسانا مشرفي يرتجل غرائب الموت، أنا من مارج النمار، والقلم من صلصال كالفخار، وإذات زعنم القلم أه مثلي أمرت من يدق رأسه بنعلي (قال اللم): صف فصاحب السيف بلا سعادة كأعزل، (قال السيف): مه فقلم البيلغ بغير حظ معزل، (قال القلم): أنا أزكى وأطهر، (قال السيف): أنا أبهى وأبهر فتلا، (ذو القلم) لقلمه: (إِنّآ أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) [لكوثر:1] فتلا: (صاحب السيف): (فَصَلّ لِرَبّكَ وَانْحَرْ) [الكوثر:2] فتلا( ذو القلم) لقلمه: (إِنّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ) [الكوثر:3] (قال) أما وكتابي المسطور، وبيتي المعمور، والتوراة والإنجيل، والقرآن ذي التنبجيل، إن لم تكف عني غربك، وتبعد مني قربك، لأكتبنك من الصم والبكم، ولسطرن عليك بقلمي بهذا الحكم، (قال السيف): أما ومتني المتين، وفتحي المبين، ولساني الرطبين، ووجهين الصلبين، وإن لم تغب عن بياضي بسوادك، لأمسحن وجهك بمدادك، ولقد كسبت من الأسد في الغابة، توقيح العين والصلابة، ومع أني ما ألوتك نصحاً، أفنضرب عنكم
الذكر صفحاً.
(قال القلم): سلم إلي مع من سلم، إن كنت على فأنا أعلم، وإن كنت أحلى فأنا أحلم، وإن كنت أقوى فأنا أقوم، أوكنت ألوى فأنا ألوم، أو كنت أطرى فأنا أطرب، أو كنت أغلى فأنا أغلب، أو كنت أعتى فأنا أعتب، أو كنت أقضة فأنا أقضب (قال السيف): كيف لا أفضلك والمقر الفلاني شاد أزري، (قال القلم) كيف لا أفضلك وهو تعز نصره ولي أمري.
(قال الحكم بين السيف والقلم): فلما رأيت الحجتين ناهضتين، والبينتين متعارضتين، وعلمت أن لكل واحد منهما نسبة صحيحة إلى هذا المقر الكريم، ورواية مسندة عن حديثه القديم لطفت الوسيلة ودقت الحيلة حتى رددت القلم إلى كنه، وأغمدت السيف فنام ملء جفنه.
وأخرت بينهما الترجيح، وسكت عما هو عندي الصحيح، إلى أن بحكم المقر لبينهما بعلمه ويسكن سورة غضبهما الوافر ولجاجهما المديد ببسط حلمه.
?"مناظرة بين صاحب أبي تمام وصاحب البحتري للآمدي"
(صاحب أبي تمام): كيف يجوز لقائل أن يقول إن البحتري أشعر من أبي تمام وعن أبي تمام أخذ وعلى حذوه احتذى ومن معانيه استقى حتى قيل الطائي الأكبر والطائي الأصغر.
(صاحب البحتري): أما الصحبة له فما صحبه ولا تتلمذ له وا روى ذلك أحد عنه ولا نقله ولا رأي قط أنه محتاج إليه ودليل ذلك الخبر المستفيض من اجتماعهما وتعارفهما عند أبي سعيد محمد بن يوسف الثغري وقد دخل عليه البحتري بقصيدته التي أولها:
أأفاقَ صبَ من هوى فأُفيقا
وأبو تمام حاضر فلما أنشدها علق أبو تمام منها أبياتاً كثيرة فلما فرغ من الإنشاد أقبل أبو تمام على محمد بن يوسف فال أيها الأمير ما ظننت أن أحداً يقدم على أن يسرق شعري وينشده بحضرتي حتى اليوم ثم اندفع ينشج ما حفظه حتى أتي على أبيات كثيرة من القصيدة فبهت البحتري ورأ ى أبو تمام الإنكار في وجه أبي سعيد فحينئذٍ قال له أبو تمام أيها الأمير والله ما الشعر إلا له وإنه أحسن فيه الإحسان كله وأقبل يقرظه ويصف معانيه ويذكر محاسنه ولم يقنع من محمد بن يوسف حتى أضعف له الجائزة فمن كان يقول مثل هذه القصيدة التي هي من عين شعره وفاخر كلامه قبل أن يعرف أبا تمام جدير به أن يستغني عن أن يصحبه أو يتتلمذ له أو لغيره من الشعراء على أنني لا أنكر استعار بعض معاني أبي تمام لقرب البلدين وكثرة ما كان يطرق سمع البحتري من شعره وليس ذلك بمقتض أن يكون أبو تمام أستاذ البحتري ولا بمانعه أن يكون البحتري أشعر من أبي تمام فهذا كثير قد أخذ من جميل واستقى من معانيه فما رأينا أحداً قال إن جميلاً أشعر منه بل هو عند أهل الشعر والرواية أشعر من جميل (صاحب أبي تمام): أن البحتري نفسه يعترف أن أبا تمام منه فقد سئل عنه وعن أبي تمام فقال أن جيده خير من جيدي وجيد أبي تمام كثير.
(صاحب البحتري): إن كان هذا الخر صحيحاً فهو للبحتري لا عليه لأن قوله هذا يدل على أن شعر أبي تمام كثير الاختلاف وشعره شديد الاستواء ولمستوى الشعر أولى بالتقدمة من المختلف الشعر وقد اجتمعنا نحن وأنتم على أن أبا تمام يعلو علواً حسناً وينحط انحطاطاً قبيحاً وأن البحتري يعلو بتوسط ولا يسقط ومن لا يسقط ولا يسف أفضل ممن يسقط ويسف.
(صاحب أبي تمام):
المزيد