Yahoo!

فوائد اية الكرسي

ديسمبر 24th, 2011 كتبها الشيخ على العزي على نشر في , التفسير

  

 

 

 

 

 

 

 

 

{254} اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ{255} لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{256}

اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ{257

 

الجلالين

الله لا إله) أي لا معبود بحق في الوجود (إلا هو الحي) الدائم بالبقاء (القيوم) المبالغ في القيام بتدبير خلقه (لا تأخذه سِنةٌ) نعاس (ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض) ملكا وخلقا وعبيدا (من ذا الذي) أي لا أحد (يشفع عنده إلا بإذنه) له فيها (يعلم ما بين أيديهم) أي الخلق (وما خلفهم) أي من أمر الدنيا والآخرة (ولا يحيطون بشيء من علمه) أي لا يعلمون شيئا من معلوماته (إلا بما شاء) أن يعلمهم به منها بإخبار الرسل (وسع كرسيه السماواتِ والأرضَ) قيل أحاط علمه بهما وقيل الكرسي نفسه مشتمل عليهما لعظمته ، لحديث: "ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس". (ولا يؤوده) يثقله (حفظهما) أي السماوات والأرض (وهو العلي) فوق خلقه بالقهر (العظيم) الكبير

256  (لا إكراه في الدين) على الدخول فيه (قد تبين الرشد من الغي) أي ظهر بالآيات البينات أن الإيمان رشد والكفر غي نزلت فيمن كان له من الأنصار أولاد أراد أن يكرههم على الإسلام (فمن يكفر بالطاغوت) الشيطان أو الأصنام وهو يطلق على المفرد والجمع (ويؤمن بالله فقد استمسك) تمسك (بالعروة الوثقى) بالعقد المحكم (لا انفصام) انقطاع (لها والله سميع) بما يقال (عليم) بما يفعل

257  (الله ولي) ناصر (الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات) الكفر (إلى النور) الإيمان (والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) ذكر الإخراج إما في مقابلة قوله {يخرجهم من الظلمات} أو في كل من أمن بالنبي قبل بعثته من اليهود ثم كفر به (أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)

 

 

 

 

 

ابن كثير

 

وهذه الاَية مشتملة على عشر جمل مستقلة

  فقوله {الله لا إله إلا هو} إخبار بأنه المتفرد بالإلهية لجميع الخلائق {الحي القيوم} أي الحي في نفسه الذي لا يموت أبداً, القيم لغيره.  , فجميع الموجودات مفتقرة إليه, وهو غني عنها, لا قوام لها بدون أمره, كقوله {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} وقوله {لا تأخذه سنة ولا نوم} أي لايعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه, بل هو قائم على كل نفس بما كسبت, شهيد على كل شيء, لا يغيب عنه شيء, ولا يخفى عليه خافية, ومن تمام القيومية أنه لا يعتريه سنة ولا نوم, فقوله {لا تأخذه} أي لا تغلبه سنة وهي الوسن والنعاس, ولهذا قال: ولا نوم لأنه أقوى من السنة. وفي الصحيح عن أبي موسىَ, قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات, فقال «إن الله لا ينام, ولا ينبغي له أن ينام, يخفض القسط ويرفعه, يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل, وعمل الليل قبل عمل النهار, حجابه النور أو النار, لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه»  .

  وقوله {له ما في السموات وما في الأرض} إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه, وتحت قهره وسلطانه, كقوله {إن كل من في السموات والأرض إلا آتى الرحمن عبداً * لقد أحصاهم وعدهم عداً * وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً}.

  وقوله {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} كقوله {وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} وكقوله {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه عز وجل, أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة, كما في حديث الشفاعة: «آتي تحت العرش فأخر ساجداً, فيدعني ما شاء الله أن يدعني. ثم يقال: ارفع رأسك وقل تسمع واشفع تشفع ـ قال ـ فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة».

  وقوله: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات, ماضيها وحاضرها ومستقبلها, كقوله إخباراً عن الملائكة {وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا, وما بين ذلك, وما كان ربك نسيا}.

  وقوله: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} أي لا يطلع أحد من علم الله على شيء إلا بما أعلمه الله عز وجل وأطلعه عليه. ويحتمل أن يكون المراد لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفاته, إلا بما أطلعهم الله عليه, كقوله: {ولا يحيطون به علماً}.

  وقوله: {وسع كرسيه السموات والأرض},   عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, في قوله: {وسع كرسيه السموات والأرض} قال: علمه,  }  

 عن أبي ذر الغفاري, أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكرسي, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي, إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة, وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة

  وقوله: {ولا يؤده حفظهما} أي لا يثقله ولا يكرثه حفظ السموات والأرض, ومن فيهما, ومن بينهما, بل ذلك سهل عليه, يسير لديه, وهو القائم على كل نفس بما كسبت, الرقيب على جميع الأشياء, فلا يعزب عنه شيء ولا يغيب عنه شيء, والأشياء كلها حقيرة بين يديه, الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون, وهو القاهر لكل شيء, الحسيب على كل شيء, الرقيب العلي العظيم, لا إله غيره, ولا رب سواه, فقوله: {وهو العلي العظيم

 

 

** لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ قَد تّبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الْغَيّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

   يقول تعالى: {لا إكراه في الدين} أي لا تكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام, فإنه بيّن واضح, جلي دلائله وبراهينه, لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه, بل من هداه الله للإسلام, وشرح صدره, ونور بصيرته, دخل فيه علي بينة, ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره, فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهاً مقسوراً,     عن ابن عباس  } قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف, يقال له الحصيني, كان له ابنان نصرانيان وكان هو رجلاً مسلماً, فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا استكرههما, فإنهما قد أبيا إلا النصرانية, فأنزل الله فيه ذلك, رواه ابن جرير.  وقال آخرون: بل هي منسوخة بآية القتال, وإنه يجب أن يدعى جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف, دين الإسلام, فإن أبى أحد منهم الدخول فيه, ولم ينقد له أو يبذل الجزية, قوتل حتى يقتل, وهذامعنى الإكراه, قال الله تعالى {ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون}   فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا يحيى عن حميد عن أنس, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل «أسلم», قال: إني أجدني كارهاً, قال: «وإن كنت كارهاً» فإنه ثلاثي صحيح, ولكن ليس من هذا القبيل, فإنه لم يكرهه النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام, بل دعاه إليه, فأخبره أن نفسه ليست قابلة له, بل هي كارهة, فقال له: أسلم وإن كنت كارهاً, فإن الله سيرزقك حسن النية والإخلاص.

  وقوله: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم} أي من خلع الأنداد والأوثان, وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله, ووحد الله فعبده وحده, وشهد أنه لا إله إلا هو {فقد استمسك بالعروة الوثقى} أي فقد ثبت في أمره, واستقام على الطريق المثلى, والصراط المستقيم,  

  وقوله: {فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها} أي فقد استمسك من الدين بأقوى سبب, وشبه ذلك بالعروة القوية التي لا تنفصم, هي في نفسها محكمة مبرمة قوية وربطها قوي شديد,   قال مجاهد: العروة الوثقى يعني الإيمان, وقال السدي: هو الإسلام, وقال سعيد بن جبير والضحاك: يعني لا إله إلا الله, وعن أنس بن مالك: العروة الوثقى القرآن. وعن سالم بن أبي الجعد قال: هو الحب في الله, والبغض في الله, وكل هذه الأقوال صحيحة, ولا تنافي بينها. وقال معاذ بن جبل في قوله: {لا انفصام لها} دون دخول الجنة, وقال مجاهد وسعيد بن جبير {فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها} ثم قرأ {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف, حدثنا ابن عوف عن محمد بن قيس بن عباد, قال: كنت في المسجد, فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع, فصلى ركعتين أوجز فيهما, فقال القوم: هذا رجل من أهل الجنة, فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله, فدخلت معه فحدثته, فلما استأنس, قلت له: إن القوم لما دخلت المسجد, قالوا: كذا وكذا, قال: سبحان الله, ما ينبغي لأحد أن يقول مالا يعلم, وسأحدثك لم, إني رأيت رؤيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, قصصتها عليه, رأيت كأني في روضة خضراء. قال ابن عون فذكر من خضرتها وسعتها ـ وفي وسطها عمود حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء, في أعلى عروة, فقيل لي اصعد عليه, فقلت: لا أستطيع, فجاءني منصف ـ قال ابن عون هو الوصيف ـ فرفع ثيابي من خلفي, فقال: اصعد, فصعدت حتى أخذت بالعروة, فقال: استمسك بالعروة, فاستيقظت وإنها لفي يدي, فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقصصتها عليه فقال «أما الروضة, فروضة الإسلام, وأما العمود فعمود الإسلام, وأما العروة فهي العروة الوثقى, أنت على الإسلام حتى تموت» قال: وهو عبد الله بن سلام. أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الله بن عون, فقمت إليه. وأخرجه البخاري من وجه آخر, عن محمد بن سيرين به.

 

** اللّهُ وَلِيّ الّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مّنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ وَالّذِينَ كَفَرُوَاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مّنَ النّورِ إِلَى الظّلُمَاتِ أُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

   يخبر تعالى أنه يهدي من اتبع رضوانه سبل السلام, فيخرج عباده المؤمنين من ظلمات الكفر والشك والريب إلى نور الحق الواضح الجلي المبين السهل المنير, وأن الكافرين إنما وليهم الشيطان, يزين لهم ما هم فيه من الجهالات والضلالات, ويخرجونهم ويحيدون بهم عن طريق الحق إلى الكفر والإفك {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ولهذا وحد تعالى لفظ النور, وجمع الظلمات, لأن الحق واحد والكفر أجناس كثيرة ولكنها باطلة

 

وقال السيوطي في الدر المنثور

  وأخرج عن سعيد بن جبير في قوله من ذا الذي يشفع عنده قال : من يتكلم عنده إلا بإذنه
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله يعلم ما بين أيديهم قال : ما مضى من الدنيا وما خلفهم من الآخرة
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس يعلم ما بين أيديهم ما قدموا من أعمالهم وما خلفهم ما أضاعوا من أعمالهم
وأخرج ابن جرير عن السدي ولا يحيطون بشيء من علمه يقول : لا يعلمون بشيء من علمه إلا بما شاء هو أن يعلمهم
   وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك بن أنس قال الطاغوت ما يعبد من دون الله
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس فقد استمسك بالعروة الوثقى قال : لا إله إلا الله ذلك

 


الشوكاني

قوله: 255- "لا إله إلا هو" أي لا معبود بحق إلا هو،  . والحي: الباقي، وقيل: الذي لا يزول ولا يحول، وقيل: المصرف للأمور والمقدر للأشياء . والقيوم القائم على كل نفس بما كسبت، وقيل: القائم بذاته المقيم لغيره، وقيل: القائم بتدبير الخلق وحفظه،    . والسنة: النعاس في قول الجمهور، والنعاس: ما يتقدم النوم من الفتور وانطباق العينين، فإذا صار في القلب صار نوماً. وفرق بين السنة والنعاس والنوم فقال: السنة من الرأس، والنعاس في العين، والنوم في القلب انتهى. والذي ينبغي التعويل عليه في الفرق بين السنة والنوم أن السنة لا يفقد معها العقل، بخلاف النوم فإنه استرخاء   يفقد معه العقل،   وقدم السنة على النوم، لكونها تتقدمه في الوجود.   . قوله: "من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه" في هذا الاستفهام من الإنكار على من يزعم أن أحداً من عباده يقدر على أن ينفع أحداً منهم بشفاعة أو غيرها والتقريع والتوبيخ له ما لا مزيد عليه، وفيه من الدفع في صدور عباد القبور والصد في وجوههم والفت في أعضادهم ما لا يقادر قدره ولا يبلغ مداه، والذي يستفاد منه فوق ما يستفاد من قوله تعالى: "ولا يشفعون إلا لمن ارتضى" وقوله تعالى: "وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى"   قوله: "يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم" الضميران لما في السموات والأرض بتغليب العقلاء على غيرهم، وما بين أيديهم وما خلفهم عبارة عن المتقدم عليهم والمتأخر عنهم، أو عن الدنيا والآخرة وما فيهما. قوله: "ولا يحيطون بشيء من علمه" قد تقدم معنى الإحاطة، والعلم هنا بمعنى المعلوم: أي لا يحيطون بشيء من معلوماته. قوله: "وسع كرسيه"  وقيل: إن الكرسي هو العرش،   والمراد بكونه وسع السموات والأرض أنها صارت فيه وأنه وسعها ولم يضق عنها لكونه بسيطاً واسعاً. وقوله: "ولا يؤوده حفظهما" معناه لا يثقله ثقالة أدنى الشيء، بمعنى أثقلني وتحملت منه مشقة. وقال الزجاج: يجوز أن يكون الضمير في قوله: "يؤوده" لله سبحانه، ويجوز أن يكون للكرسي لأنه من أمر الله " العلي " يراد به علو القدرة والمنزلة.      والعظيم بمعنى عظم شأنه وخطره

. قال في الكشاف: إن الجملة الأولى بيان لقيامه بتدبير الخلق وكونه مهيمناً عليه غير ساه عنه. والثانية بيان لكونه مالكاً لما يدبره. والجملة الثالثة بيان لكبرياء شأنه. والجملة الرابعة بيان لإحاطته بأحوال الخلق وعلمه بالمرتضى منهم المستوجب للشفاعة وغير المرتضى. والجملة الخامسة بيان لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها، أو لجلاله وعظم قدره.  

    "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله "وسع كرسيه" قال: كرسيه موضع قدمه، والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل". وأخرجه الحاكم وصححه.    

 اعلم أنه قد ورد في فضل هذه الآية أحاديث.   عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أعظم آية في كتاب الله- الله لا إله إلا هو الحي القيوم".   وأخرج أبو داود والترمذي وصححه من حديث أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هاتين الآيتين: "الله لا إله إلا هو الحي القيوم"، و" الم * الله لا إله إلا هو " إن فيهما اسم الله الأعظم.   وورد أيضاً في فضل قراءتها دبر الصلوات وفي غير ذلك،  

قد   "لا إكراه في الدين"   إنها منسوخة  ، والناسخ لها قوله تعالى: "يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين" وقال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين    وقيل أنها ليست بمنسوخة وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصة، وأنهم لا يكرهون على الإسلام إذا أدوا الجزية، بل الذين يكرهون هم أهل الأوثان، فلا يقبل منهم إلا الإسلام    وقيل: أن هذه الآية في الأنصار خاصة،  

 وقال ابن كثير في تفسيره: أي لا تكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام، فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه لا تحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهاً مقسوراً،  . وقال في الكشاف   لم يجبر الله أمر الإيمان على الإجبار والقسر، ولكن على التمكين والاختيار، ونحوه قوله: "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين"   والذي ينبغي اعتماده ويتعين الوقوف عنده: أنها في السبب الذي نزلت لأجله محكمة غير منسوخة،  . وهذا يقتضي أن أهل الكتاب لا يكرهون على الإسلام إذا اختاروا البقاء على دينهم وأدوا الجزية. وأما أهل الحرب فالآية وإن كانت تعمهم، لأن النكرة في سياق النفي وتريف الدين يفيدان ذلك، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب  قوله: "قد تبين الرشد من الغي" الرشد هنا الإيمان، والغي الكفر: أي قد تميز أحدهما على الآخر. وهذا استئناف يتضمن التعليل لما قبله. والطاغوت   من طغى يطغي ويطغو: إذا جاوز الحد.   والطاغوت: الكاهن والشيطان وكل رأس في الضلال، وقد يكون واحداً. قال الله تعالى :"يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به" وقد يكون جمعاً. قال الله تعالى: "أولياؤهم الطاغوت" والجمع طواغيت: أي فمن يكفر بالشيطان أو الأصنام أو أهل الكهانة ورؤوس الضلالة أو بالجميع "ويؤمن بالله" عز وجل بعد ما تميز له الرشد من الغي فقد فاز وتمسك بالحبل الوثيق الإيمان،   الإسلام، وقيل: لا إله إلا الله،   

 

 السيد قطب

(الحي القيوم). .

والحياة التي يوصف بها الإله الواحد هي الحياة الذاتية التي لم تأت من مصدر آخر كحياة الخلائق المكسوبة الموهوبة لها من الخالق . ومن ثم يتفرد الله - سبحانه - بالحياة على هذا المعنى . كما أنها هي الحياة الأزلية الأبدية التي لا تبدأ من مبدأ ولا تنتهي إلى نهاية  

أما صفة(القيوم). . فتعني قيامه - سبحانه - على كل موجود . كما تعني قيام كل موجود به فلا قيام لشيء إلا مرتكنا إلى وجوده وتدبيره   - قائم على كل شيء , وأن كل شيء قائم في وجوده على إرادة الله وتدبيره . . ومن ثم يظل ضمير المسلم وحياته ووجوده ووجود كل شيء من حوله مرتبطا بالله الواحد ; الذي يصرف أمره وأمر كل شيء حوله , وفق حكمة وتدبير , فيلتزم الإنسان في حياته بالمنهج المرسوم القائم على الحكمة والتدبير ; ويستمد منه قيمه وموازينه , ويراقبه وهو يستخدم هذه القيم والموازين .

(لا تأخذه سنة ولا نوم). .

 

(له ما في السماوات وما في الأرض). .

فهي الملكية الشاملة . كما أنها هي الملكية المطلقة . . الملكية التي لا يرد عليها قيد ولا شرط ولا فوت ولا شركة . وهي مفهوم من مفاهيم الألوهية الواحدة . فالله الواحد هو الحي الواحد , القيوم الواحد , المالك الواحد   !

(من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ?). .

وهذه صفة أخرى من صفات الله ; توضح مقام الألوهية ومقام العبودية . . فالعبيد جميعا يقفون في حضرة الألوهية موقف العبودية ; لا يتعدونه ولا يتجاوزونه , يقفون في مقام العبد الخاشع الخاضع ; الذي لا يقدم بين يدي ربه ; ولا يجرؤ على الشفاعة عنده , إلا بعد أن يؤذن له , فيخضع للإذن ويشفع في حدوده . . وهم يتفاضلون فيما بينهم , ويتفاضلون في ميزان الله . ولكنهم يقفون عند الحد الذي لا يتجاوزه عبد . .

إنه الإيحاء بالجلال والرهبة في ظل الألوهية الجليلة العلية  

 

(يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم , ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء). .

وهذه الحقيقة بطرفيها تساهم كذلك في تعريف المسلم بإلهه , وفي تحديد مقامه هو من إلهه . فالله يعلم ما بين أيدي الناس وما خلفهم . وهو تعبير عن العلم الشامل الكامل المستقصي لكل ما حولهم  

  . علم الله الشامل بما بين أيديهم وما خلفهم . . من شأنه أن يحدث في النفس رجة وهزة . النفس التي تقف عارية في كل لحظة أمام بارئها الذي يعلم ما بين يديها وما خلفها . يعلم ما تضمر علمه بما تجهر . ويعلم ما تعلم علمه بما تجهل . ويعلم ما يحيط بها من ماض وآت مما لا تعلمه هي ولا تدريه .   .

 

(ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء). .

إنه - سبحانه - هو الذي يعلم وحده كل شيء علما مطلقا شاملا كاملا . وهو - سبحانه - يتأذن فيكشف للعباد بقدر عن شيء من علمه ; تصديقا لوعده الحق: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق). . ولكنهم هم ينسون هذه الحقيقة ; ويفتنهم ما يأذن الله لهم فيه من علمه . سواء كان هذا الذي أذن لهم فيه علم شيء من نواميس الكون وقوانينه ;  

إن الله سبحانه وهب الإنسان المعرفة مذ أراد إسناد الخلافة في الأرض إليه . ووعده أن يريه آياته في الآفاق وفي الأنفس ووعده الحق . وصدقه وعده فكشف له يوما بعد يوم , وجيلا بعد جيل , في خط يكاد يكون صاعدا أبدا , عن بعض القوى والطاقات والقوانين الكونية التي تلزم له في خلافة الأرض , ليصل بها إلى أقصى الكمال المقدر له في هذه الرحلة المرسومة .

وبقدر ما أذن الله للإنسان في علم هذا الجانب وكشف له عنه , بقدر ما زوى عنه أسرارا أخرى لا حاجة له بها في الخلافة . . زوى عنه سر الحياة وما يزال هذا السر   ! وزوى عنه سر اللحظة القادمة . فهي غيب لا سبيل إليه  

 

(وسع كرسيه السماوات والأرض , ولا يؤوده حفظهما). .

وقد جاء التعبير في هذه الصورة الحسية في موضع التجريد المطلق ; على طريقة القرآن في التعبير التصويري , لأن الصورة هنا تمنح الحقيقة المراد تمثيلها للقلب قوة وعمقا وثباتا . فالكرسي يستخدم عادة في معنى الملك . فإذا وسع كرسيه السماوات والأرض فقد وسعهما سلطانه . وهذه هي الحقيقة من الناحية الذهنية . ولكن الصورة التي ترتسم في الحس من التعبير بالمحسوس أثبت وأمكن . وكذلك التعبير بقوله: (ولا يؤوده حفظهما)فهو كناية عن القدرة الكاملة . ولكنه يجيء في هذه الصورة المحسوسة . صورة انعدام الجهد والكلال . لأن التعبير القرآني يتجه إلى رسم صور للمعاني تجسمها للحس , فتكون فيه أوقع وأعمق وأحس .

 

 

(وهو العلي العظيم). .

وهذه خاتمة الصفات في الآية , تقرر حقيقة , وتوحي للنفس بهذه الحقيقة . وتفرد الله

المزيد


توضيحات لمعاني وفوائد النفحات

مايو 17th, 2011 كتبها الشيخ على العزي على نشر في , التفسير

 

 
 
                                                            
توضيحات
لمعاني وفوائد النفحات
الجزء الاول
 
 
 
 
 
 
 
علي احمد العزي المليك
امام وخطيب
جامع ميناء الجبيل التجاري
 
 
                                           
                         
 
 
تقــديم
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين وبه نستعين على أمور الدنيا والدين والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين وعلى آله الطيبين وأصحابه الغر الميامين والتابعين لهم بإحسان الى يوم الدين اللهم واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين وافتح علينا فتوح العارفين 0
 
وبعد : فأنه لما كان الهدف من الكتيب الصغير(( نفحات من الهدي القويم )) أن يكون ورد يومي وطبع على هذا الأساس ، ولكنه ما إن ظهر في تلك الفترة واقتناه بعض الأحبة من طلبة العلم وعرض على بعض مشايخنا وعلمائنا الأجلاء ..إلا وانهالت المقترحات بأنه لا بد من إعادة المادة مع معانيها وبيان فضلها حتى تخرج المادة بثوب قشيب يتضمن الفضل والمعنى مع أسباب النزول لكل نفحة من النفحات المختارة من كتاب الله الكريم وقد اخترت لذلك بعض التفاسير المشهورة والمعتمدة عند جمهور العلماء والباحثين 0
وبدأت بالنقل دون أي زيادة مع حذف المكرر وما لا حاجة له في هذا المقام0 ورغم ذالك فقد ظهر الكتاب في حجم كبير وصلت صفحاته الى ألفين صفحة تقريبا فطلب مني بعض الفضلا0 أن اختصره على الأقل الى ثلاث مائة صفحة ان امكن ذلك ليسهل طباعته وقراءته وشراءه 0ويخرج في مجلد متوسط الحجم فعمدت الى اختصاره واختيار(60) نفحة بدلا من مائة نفحة 0كذلك تركت بعض التفاسير لأغلب النفحات0 
وغاية ما أرجوه أن يجعله الله خالصاً لوجهه الكريم ويغفربه ذنبي ويستربه عيبي في الدنيا والآخرة ويغفربه لوالدي ويصلح به ذريتي 0
 فقف ايها القاري وقفة تأمل عند كل نفحة وتذوق حلاوتها بأحاسيسك وتأمل معانيها بوجدانك وكرر قرائتها بعقلك0 
وقد أسميته ( توضيحات لمعاني وفوائد النفحات) والله أرجو أن ينفع به في الحياة وبعد الممات :
 فإن أحسنت الاختيار فبتوفيق من الله وله الحمد والفضل والثناء الحسن0
وإن أسأت فمن نفسي والشيطان وأستغفر الله العظيم   0
 كما أتوجه بالشكر للأخ الشيخ علي ابن مشبب آل الشعث القحطاني الذي ساهم في طباعة هذا الكتاب جزاه الله خيرا 0 ويجعله في موازين اعمالنا يوم لاينفع مال ولابنون الامن اتى الله بقلب سليم0
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وعنا وولدينا وجميع المسلمين برحمتك يا ارحم الرحمين سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين0  
                                  
((علي احمد العـزي المليك امام وخطيب جامع ميناء الجبيل التجاري))
                                
 
                                   
((النفحة الاولى)
 
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ{1} الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ{2} الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ{3} مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ{4} إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ{5} اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ{6} صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ{7} 
 
أخي المسلم الحبيب تأمل معي هذه النفحة سورة الفاتحة وتذوق حلاوتها بأحاسيسك ووجدانك كرر قرأتها وتأمل معانيها وأهدافها وركز بفهم ماذا قال عنها بعض المفسرين وأصحاب الخواطرالايمانية 0 هنا ستدرك لماذا اخترت هذه النفحة 0
 ففي تفسير الإمام جلال الدين السيوطي (الجلالين )
سورة الفاتحة (مكية) ، سبع آيات بالبسملة إن كانت منها ، والسابعة {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} وإن لم تكن منها ، فالسابعة : {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} ويقدر في أولها "قولوا" ليكون ما قبل "إياك نعبد" مناسباً له بكونها من مقول العباد]ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
2 (الحمد لله) جملة خبرية قصد بها الثناء على الله بمضمونها على أنه تعالى مالك لجميع الحمد من الخلق أو مستحق لأن يحمدوه ، والله علم على المعبود بحق (رب العالمين) أي مالك جميع الخلق من الإنس والجن والملائكة والدواب وغيرهم وكل منها يطلق عليه عالم ، يقال عالمالإنس وعالم الجن إلى غير ذلك ، وغلب في جمعه بالياء والنون أولي العلم على غيرهم وهو من العلامة لأنه علامة على موجده
3 (الرحمن الرحيم) أي ذي الرحمة وهي إرادة الخير لأهله
4 (مَلِكِ يوم الدين) أي الجزاء وهو يوم القيامة ، وخُصَّ بالذكر لأنه لا ملك ظاهراً فيه لأحد إلا لله تعالى بدليل {لمن الملك اليوم لله} ومن قرأ {مالك} فمعناه مالك الأمر كله في يوم القيامة أو هو موصوف بذلك دائماً {كغافر الذنب} فصح وقوعه صفة لمعرفة
5 (إياك نعبد وإياك نستعين) أي نخصك بالعبادة من توحيد وغيره ونطلب المعونة على العبادة وغيرها
6 (اهدنا الصراط المستقيم) أي أرشدنا إليه
ويبدل منه : (صراط الذين أنعمت عليهم) بالهداية ويبدل من الذين بصلته (غير المغضوب عليهم) وهم اليهود (ولا) غير (الضالين) وهم النصارى ، ونكتة البدل إفادة أن المهتدين ليسوا يهوداً ولا نصارى والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً دائماً أبداً ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم 
 
وفي مختصر ابن كثير في بتصرف
[  تسمى "الفاتحة" لانه تفتتح بها القراءة في الصلوات، ويقال لها أيضاً "أُم الكتاب" ولها أسماء منها "الحمد" و"الشفاء" و"الواقية" و"الكافيه" و"أساس القرآن".
قال البخاري: "وسميت - أُم الكتاب - لأنه يبدأ بكتابتها في المصاحف، ويبدأ بقراءتها في الصلاة".
وقال الطبري: والعرب تسمي كل جامع أمراً أو مقدم لأمر "أُمّاً "فتقول للجلدة التي تجمع الدماغ "أم الرأس" ويسمون لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون تحتها "أمّاً " قال ذو الرمّة:
على رأسه أمٍّ لنا نقتدي بها جماع أمور ليس نعصي لها أمراً
 
روى الإمام أحمد عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال في أُم القرآن: "هي أُم القرآن، وهي السبع المثاني، وهي القرآن العظيم" ورواه ابن جرير أيضاً بنحوه.
 
"ما ورد في فضل سورة الفاتحة"
 
أولا: عن أبي سعيد بن المعلَّى رضي اللّه عنه قال: "كنت أصلّي فدعاني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلم أجبه حتى صلّيت، قال: فأتيته، فقال: ما منعك أن تأتيني؟ قال: قلت يا رسول اللّه إني كنت أصلي، قال: ألم يقل اللّه تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}؟ ثم قال: لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد، قال: فأخذ بيدي فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت: يا رسول اللّه إنك قلت لأعلمنَّك أعظم سورة في القرآن، قال: نعم {الحمد للّه رب العالمين} هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته" (أخرجه أحمد ورواه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة)
ثانيا: وعن أُبيّ بن كعب رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "ما أنزل اللّه في التوراة ولا في الإنجيل مثل "أم القرآن" وهي السبع المثاني، وهي مقسومة بيني وبين عبدي نصفين" (رواه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة عن أُبي بن كعب) هذا لفظ النسائي.
ثالثا: وعن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال: "كنّا في مسير لنا فنزلنا، فجاءت جارية فقالت: إنَّ سيّد الحي سليم (أي لديغ) وإنَّ نفرنا غُيَّب فهل منكم راق؟ فقام معها رجل ما كنا نأبنه (ما كنا نأبنه: أي نعيبه أو نتهمه) برقيه، فرقاه فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة، وسقانا لبناً، فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن؟ أو كنت ترقي؟ قال: لا، ما رقيتُ إلاّ بأم الكتاب، قلنا: لا تحدثوا شيئاً حتى نأتي أو نسأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلما قدمنا المدينة ذكرناه للنبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: "وما كان يدريه أنها رُقْية؟ إقسموا واضربوا لي بسهم" (رواه البخاري ومسلم وأبو داود، وفي بعض روايات مسلمز أن (أبا سعيد الخدري) وهو الذي رقى ذلك اللديغ) .
رابعاً: وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: بينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعنده جبريل، إذ سمع نقيضاً فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط، قال: فنزل منه ملك، فأتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبيٌ قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لم تقرأ حرفاً منها إلا أوتيته" (رواه مسلم والنسائي عن ابن عباس. ومعنى قوله (نقيضا) أي صوتاً) .
خامساً: وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: " من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِداجٌ - ثلاثاً - غير تمام" فقيل لأبي هريرة: إنّا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: قال اللّه عزّ وجلّ "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: {الحمد لله رب العالمين} قال اللّه: حمدني عبدي، وإذا قال: {الرحمن الرحيم} قال اللّه: أثنى عليَّ عبدي، فإذا قال: {مالك يوم الدين} قال: مجّدني عبدي، وقال مرة: فوّض إليّ عبدي، فإذا قال: {إياك نعبد وإياك نستعين} قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: {اهدنا الصراط المستقيم.صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" (رواه مسلم عن أبي هريرة)
 تفسير الاستعاذة
- 1 - قال اللّه تعالى: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم}
- 2 - وقال تعالى: {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين. وأعوذ بك رب أن يَحضرون}.
- 3 - وقال تعالى: {وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم. وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم}.
فهذه ثلاث أيات ليس لهنَّ رابعة في معناها.
فاللّه تعالى يأمر بمصانعة (العدوّ الأنسي) والإحسان إليه، ليرده عنه طبعه إلى الموالاة والمصافاة.     
ويأمر بالاستعاذة من (العدوّ الشيطاني) لا محالة، إذ لا يقبل مصانعة ولا إحسانا، ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم، لشدة العداوة بينه وبين أبيه آدم كما قال تعالى: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا} وقال تعالى: {أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو}؟
وقد أقسم لآدم وكذب عليه، فكيف معاملته لنا وقد قال: {فبعزتك لأغوينهم أجمعين}؟ وقالت طائفة من القراء: يتعوذ بعد القراءة، واعتمدوا على ظاهر سياق الآية. والمشهور الذي عليه الجمهور: أن الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة لدفع الموسوس عنها، ومعنى الآية {فإذا قرأت القرآن} أي إذا أردت القراءة، كقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} أي إذا أردتم القيام، ويدل عليه ما روي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان إذا قام من الليل استفتح صلاته بالتكبير والثناء ثم يقول:" أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه" (رواه أحمد عن أبي سعيد الخدري وأخرجه أصحاب السنن الأربعة)
ومعنى: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" أي أستجير بجناب اللّه من الشيطان الرجيم أن يضرني في ديني أو دنياي، أو يصدّني عن فعل ما أُمرت به، فإن الشيطان لا يكفه عن الإنسان إلا اللّه، والاستعاذة: هي الإلتجاء إلى اللّه تعالى من شر كل ذي شر، والعياذة تكون لدفع الشر و (الشيطان) في لغة العرب مشتق من شطن إذا بعد، فهو بعيد بفسقه عن كل خير،  و (الرجيم) فعيل. بمعنى مفعول، أي أنه مرجومٌ مطرودٌ عن الخير كما قال تعالى: {وجعلناها رجوما للشياطين} وقال تعالى:{وحفظناها من كل شيطان رجيم. إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين}.
1 - بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير البسملة
 
روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه {بسم الله الرحمن الرحيم} (رواه أبو داود بإسناد صحيح وأخرجه الحاكم في مستدركه)
وقد افتتح بها الصحابة كتاب اللّه، ولهذا تُستحب في أول كل قولٍ وعمل لقوله عليه السلام: "كل أمر لا يبدأ فيه ببسم اللّه الرحمن الرحيم فهو أجذ م" فتستحب في أول الوضوء لقوله عليه السلام: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم اللّه عليه" (رواه أحمد وأصحاب السنن من رواية أبي هريرة مرفوعا) وتستحب عند الذبيحة في مذهب الشافعي وأوجبها آخرون، وتستحب عند الأكل لقوله عليه السلام: " قل: بسم اللّه، وكلْ بيمينك، وكلْ ممّا يليك" (رواه مسلم في قصة عمر بن أبي سلمة ربيب النبي صلى الله عليه وسلم) وتستحب عند الجماع لقوله عليه السلام: "لو أنَّ أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم اللّه، اللهم جنبنا الشيطان وجنّب الشيطان ما رزقتنا، فإنه أن يُقدَّر بينهما ولدٌ لم يضره الشيطان أبداً" (رواه الشيخان عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم )
والمتعلق بالباء في قوله (بسم اللّه) منهم من قدّره باسم تقديره: باسم اللّه ابتدائي، ومنهم من قدّره بفعل تقديره: أبدأ باسم اللّه، أو ابتدأت باسم اللّه، وكلاهما صحيح فإن الفعل لا بدَّ له من مصدر، فلك أن تقدّر الفعل ومصدره، فالمشروعُ ذكر اسم اللّه في الشروع في ذلك كله تبركاً وتيمناً واستعانة على الإتمام والتقبل، ويدل للأول قوله تعالى: {بسم الله مجريها ومرساها} ويدل للثاني في قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق}.
و (اللّه) علمٌ على الربّ تبارك وتعالى يقال إنه (الأسم الأعظم) لأنه يوصف بجميع الصفات كما قال تعالى: {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم} الآيات، فأجرى الأسماء الباقية كلها  صفات كما قال تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} وقال تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} وفي الصحيحين: "إنّ للّه تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة" (رواه الشيخان عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ) وهو اسم لم يسمّ به غيره تبارك وتعالى ولهذا لا يعرف له - في كلام العرب - اشتقاقٌ، فهو اسم جامد وقد نقله القرطبي عن جماعة من العلماء منهم (الشافعي) و (الغزالي) و (إمام الحرمين) وقيل: إنه مشتقُّ من أله يأله إلاهةً، وقد قرأ ابن عباس {ويذرك وإلاهتك} أي عبادتك، وقيل: مشتقُّ من وله إذا تحيّر، لأنه تعالى يحير في الفكر في حقائق صفاته، وقيل: مشتقُّ من ألهتُ إلى فلان: أي سكنت إليه، فالعقول لا تسكن إلا إلى ذكره، والأرواح لا تفرح إلا بمعرفته، لأنه الكامل على الإطلاق دون غيره، قال تعالى: {ألا بذكر اللّهِ تطمئنُ القلوب}، وقد اختار الرازي أنه اسم غير مشتق البتة، وهو قول الخليل وسيبويه وأكثر الأصوليين والفقهاء.
{الرحمن الرحيم} اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، و{رحمن} أشد مبالغة من {رحيم} وزعم بعضهم أنه غير مشتق، قال القرطبي: والدليل على أنه مشتق ما روي في الحديث القدسي: "أنا الرحمن خلقتُ الرحم وشققت لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته" (أخرجه الترمذي وصححه عن عبد الرحمن بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم) قال القرطبي: وهذا نصٌ في الإشتقاق فلا معنى للمخالفة والشقاق، وإنكار العرب لاسم {الرحمن} لجهلهم باللّه وبما وجب له، وبناء فعلان ليس كفعيل، فإن (فعلان) لا يقع إلاّ على مبالغة الفعل نحو قولك (رجلٌ غضبان) للممتلىْ غضباً، و (فعيل) قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول. قال ابن جرير: {الرحمن} لجميع الخلق، {الرحيم} بالمؤمنين، ولهذا قال تعالى {الرحمن على العرش استوى} فذكر الاستواء باسمه الرحمن ليعمّ جميع خلقه برحمته، وقال: {وكان بالمؤمنين رحيما} فخصهم باسمه الرحيم. فدلّ على أن {الرحمن} أشد مبالغة في الرحمة لعمومها في الدارين لجميع خلقه، و {الرحيم} خاصة بالمؤمنين، واسمه تعالى {الرحمن} خاص لم يسم به غيره، قال تعالى: {قل ادعوا اللّه أو ادعوا الرحمن} وقال تعالى: {أجعلنا من دون الرحمن آلهة يُعبدون}؟ ولما تجرأ مسيلمة الكذاب وتسمى برحمن اليمامة كساه اللّه جلباب الكذب وشهر به، فلا يقال إلا (مسيلمة الكذّاب) فصار يضرب به المثل في الكذب بين أهل الحضر والمدر.
وقد زعم بعضهم أن الرحيم أشد مبالغة من الرحمن لأنه أكّد به، والمؤكِّدُ لا يكون إلا أقوى من المؤَكَّد،
والجواب أن هذا ليس من باب التأكيد وإنما هو من باب النعت ولا يلزم ما ذكروه، فإن قيل: فإذا كان الرحمن أشد مبالغة فهلا اكتفى به عن الرحيم؟ فقد قيل: إنه لمّا تسمّى غيره بالرحمن جيء بلفظ الرحيم ليقطع الوهم بذلك، فإنه لا يوصف ب {الرحمن الرحيم} إلا اللّه تعالى، كذا رواه ابن جرير عن عطاء ووجّهه بذلك واللّه أعلم.
والحاصل أن من أسمائه تعالى ما يسمى به غيره، ومنها ما لا يسمى به غيره كاسم (اللّه) و (الرحمن) و (الخالق) و (الرازق) ونحو ذلك، وأما (الرحيم) فإن اللّه وصف به غيره حيث قال في حق النبي: {بالمؤمنين رءوفٌ رحيم}، كما وصف غيره ببعض أسمائه فقال في حق الإنسان: {فجعلناه سميعا بصيرا}.
2 - الحمد لله رب العالمين
$ قال ابن جرير: معنى {الحمد للّه} الشكر للّه خالصاً دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه، بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد، ولا يحيط بعددها غيره أحد، في تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح المكلفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، وغذاهم به من نعيم العيش، فلربنا الحمد على ذلك كله أولاً وآخراً، {الحمد للّه} ثناءٌ أثنى به على نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه فكأنه قال: قولوا الحمد للّه، ثم قال: وأهل المعرفة بلسان العرب يوقعون كلاً من الحمد والشكر مكان الآخر.
قال ابن كثير: وهذا الذي ادعاه ابن جرير فيه نظر، لأنه اشتهر عند كثير من المتأخرين أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعديه، والشكرُ لا يكون إلا على المتعديه، ويكون بالجَنَان، واللسان، والأركان كما قال الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة        يدي ولساني والضمير المحجّبا
 وفي الحديث الشريف عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: أفضلُ الذكر لا إله إلا اللّه، وأفضل الدعاء الحمدُ للّه (رواه الترمذي عن جابر بن عبد اللّه وقال: حسن غريب) وعنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: "ما أنعم اللّه على عبدٍ نعمة فقال: الحمد للّه، إلاّ كان الذي أعطَى أفضل مما أخذ (رواه ابن ماجة عن أنس بن مالك)
وعن ابن عمر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حدَّثهم "أن عبداً من عباد اللّه قال: يا رب لك الحمدُ كما ينبغي لجلال وجهك، وعظيم سلطانك، فعضلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها فصعدا إلى اللّه فقالا: يا ربنا إن عبداً قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها، قال اللّه - وهو أعلم بما قال عبده - ماذا قال عبدي؟ قالا: يا رب إنه قال: لك الحمد يا رب كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، فقال اللّه لهما: اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها (رواه ابن ماجة عن ابن عمر) "والألف واللاّم في (الحمد) لاستغراق جميع أجناس الحمد وصنوفه للّه تعالى كما جاء في الحديث: "اللهم لك الحمد كُلُّه، ولك الملك كلُّه، وبيدك الخير كلُّه، وإليك يرجع الأمر كلُّه" الحديث.
{رب العالمين} الربُّ هو المالك المتصرف، ويطلق في اللغة على السيد، وعلى المتصرف للإصلاح، وكلُّ ذلك صحيح في حق اللّه تعالى، ولا يستعمل الرب لغير اللّه إلا بالإضافة، تقول ربُّ الدار، وأما الرب فلا يقال إلا للّه عزّ وجلّ. و{العالمين} جمع عالم وهو كل موجود سوى اللّه عزّ وجلّ، وهو جمعٌ لا واحد له من لفظه، والعوالم أصناف المخلوقات في السماوات، وفي البر، والبحر.
وقال الفراء وأبو عبيد، العالم عبارة عمّا يعقل وهم الإنس والجن والملائكة والشياطين، ولا يقال للبهائم عالم. وقال الزجاج: العالم كلٌّ ما خلق اللّه في الدنيا والآخرة، قال القرطبي: وهذا هو الصحيح أنه شامل لكل العالمين
قال تعالى: {قال فرعون وما ربُّ العالمين؟ قال ربُّ السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين} والعالم مشتقٌ من العلامة، لأنه دال على وجود خالقه وصانعه وعلى وحدانيته جلَّ وعلا كما قال ابن المعتز:
فيا عجباً كيف يعصى الإله      أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية                  تدل على أنه واحد
3 - الرحمن الرحيم
$ وقوله تعالى {الرحمن الرحيم} قال القرطبي: إنما وصف نفسه بالرحمن الرحيم بعد قوله {رب العالمين} ليكون من باب قرن (الترغيب بالترهيب) كما قال تعالى: {نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم، وأنَّ عذابي هو العذاب الأليم} وقوله: {إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم} فالرب فيه ترهيب، والرحمن الرحيم ترغيب، وفي الحديث: "لو يعلم المؤمن ما عند اللّه من العقوبه ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند اللّه من الرحمة ما قنط من رحمته أحد (رواه مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً) "
4 - مالك [ملك] يوم الدين
قرأ بعض القراء (مَلِك) وقرأ آخرون (مالك) وكلاهما صحيح متواتر، و (مالك) مأخوذ من المِلْك كما قال تعالى: {إنا نحن نرثُ الأرض ومن عليها وإلينا يُرجعون}، و (ملك) مخوذ من المُلك كما قال تعالى: {لمن الملك اليوم}؟ وقال: {الملك يومئذ الحق للرحمن} وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين وذلك عام في الدنيا والآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين لأنه لا يدعي أحد هناك كل شيئ، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه كما قال تعالى {لا يتكلمون إلاّ من أذن له الرحمن وقال صوابا}، وقال تعالى: {يوم يأتي لا تكَلَّمُ نفسٌ إلا بإذنه}، وعن ابن عباس قال: يوم الدين يوم الحساب للخلائق، يدينهم بأعمالهم إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، إلا من عفا عنه.
والمِلْكُ في الحقيقة هو اللّه عز وجل، فأما تسمية غيره في الدنيا بملك فعلى سبيل المجاز، وفي الصحيحين عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: يقبض اللّه الأرض ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون (رواه الشيخان عن أبي هريرة مرفوعاً)
و (الدين) : الجزاء والحساب كما قال تعالى {إئنا لمدينون} أي مجزيون محاسبون، وفي الحديث: "الكيّسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" (رواه أحمد والترمذي وابن ماجة من حديث شداد بن أوس مرفوعاً) أي حاسب نفسه، وعن عمر رضي اللّه عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا".
5 - إياك نعبد وإياك نستعين
$ العبادةُ في اللغة: مأخوذة من الذلة، يقال: طريقٌ معبّد، وبعيرٌ معبَّد أي مذلّل.
وفي الشرع: هي ما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف، وفدّم المفعول وكرّر للإهتمام والحصر، أي لا نعبد إلا إياك ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة، والدين يرجع كله إلى هذين المعنيين، فالأول تبرؤ من الشرك والثاني تبرؤٌ من الحول والقوة والتفويض إلى اللّه عزّ وجلّ، وهذا المعنى في غير آيةٍ من القرآن: {فاعبده وتوكل عليه}، {قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا} وتحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة، لأنه لما أثنى على اللّه فكأنه اقترب وحضر بين يدي اللّه تعالى فلهذا قال: {إياك نعبد وإياك نستعين} بكاف الخطاب، وفي هذا دليلٌ على أن أول السورة خبرٌ من الله تعالى بالثناء على نفسه بجميل صفاته الحسنى، وإرشادٌ لعباده بأن يثنوا عليه بذلك.
وإنما قدّم {إياك نعبد} على {وإياك نستعين} لإن العبادة له هي المقصودة، والاستعانة وسيلة إليها، والأصل أن يقدم ما هو الأهم فالأهم، فإن قيل: فما معنى النون في (نعبد) و (نستعين) فإن كانت للجمع فالداعي واحد، وإن كانت للتعظيم فلا يناسب هذا المقام؟ وقد أجيب: بأن المراد من بذلك الإخبار عن جنس العباد، والمصلي فردٌ منهم ولا يسما إن كان في جماعة أو إمامهم، فأخبر عن نفسه وعن إخوانه المؤمنين بالعبادة التي خُلقوا لأجلها وتوسَّط لهم بخير، (وإياك نبعد) ألطفُ في التواضع من (إياك عبدنا) لما في الثاني من تعظيم نفسه من جعل نفسه وحده أهلاً لعبادة اللّه تعالى الذي لا يستطيع أحد أن يعبده حق عبادته، ولا يثني عليه كما يليق به، والعبادة مقام عظيم يَشْرُف به العبد لانتسابه إلى جناب اللّه تعالى  
 
 
 
وقد سمّى رسوله صلى اللّه عليه وسلم بعبده في اشرف مقاماته فقال: {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب} وقال: {وأنه لما قام عبد اللّه يدعوه}، وقال: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً} فسماه عبداً عند إنزاله عليه، وعند قيامه للدعوة، وإسرائه به.
6 - اهدنا الصراط المستقيم
$ لما تقدم الثناء على المسؤول تبارك وتعالى ناسب أن يعقب بالسؤال، وهذا أكمل أحوال السائل أن يمدح مسؤوله ثم يسأل حاجته، لأنه أنجح للحاجة، وأنجع للإجابة ولهذا أرشد اللّه إليه لأنه الأكمل.
والهداية ههنا: الإرشاد والتوفيق وقد تُعدَّى بنفسها {اهدنا الصراط} وقد تعدى بإلى {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} وقد تُعدى باللام {الحمد للّه الذي هدانا لهذا} أي وفقنا وجعلنا له أهلاً، وأمّا {الصراط المستقيم} فهو في لغة العرب: الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، ثم تستعير العرب الصراط في كل قول وعمل وصف باستقامة أو اعوجاج، واختلفت عبارات المفسرين من السلف الخلف في تفسير {الصراط}، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد وهو (المتابعة للّه وللرسول) فروي أنه كتاب اللّه، وقيل: إنه الإسلام، قال ابن عباس: هو دين اللّه الذي لا اعوجاج فيه، وقال ابن الحنفية: هو دين اللّه الذي لا يقبل من العباد غيره، وقد فسّر الصراط بالإسلام في حديث (النوالس بن سمعان) عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: "ضرب اللّه مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبوابٌ مفتَّحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داعٍ يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً ولا تعوجوا، وداعٍ يدعوا من فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال: ويْحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجْه، فالصراط الإسلام، والسوران حدود اللّه، والأبواب المفتحة محارم اللّه وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب اللّه، والداعي من فوق الصراط واعظ اللّه في قلب كل مسلم (رواه أحمد في مسنده عن النواس بن سمعان وأخرجه الترمذي والنسائي) وقال مجاهد: الصراط المستقيم: الحق، وهذا أشمل ولا منافاة بينه وبين ما تقدم، قال ابن جرير رحمه اللّه والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي أن يكون معنياً به وفقنا للثبات على ما ارتضيته ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك من قول وعمل، وذلك هو الصراط المستقيم لأن من وُفِّق لما وفِّق له من أنعم عليهم من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين فد وفّق للإسلام.
(فإن قيل) : فكيف يسال المؤمن الهداية في كل وقت من صلاة وهو متصف بذلك؟
فالجواب: أن العبد مفتقر في كل ساعةٍ وحالة إلى اللّه تعالى في تثبيته على الهداية ورسوخه فيها واستمراه عليها، فارشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده بالمعونه و الثبات والتوفيق، فقد أمر تعالى الذين آمنوا  بالإيمان: {يا أيها الذين آمنوا أمنوا بالله ورسوله}، والمراد الثباتُ والمداومةُ على الأعمال المعينة على ذلك والله أعلم.
7 - صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين
$ قوله تعالى {صراط الذين أنعمت عليهم} مفسّر للصراط المستقيم، والذين أنعم اللّه عليهم هم المذكورون في سورة النساء: {ومن يطع اللّه والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن ألوئك رفيقا}، وعن ابن عباس: صراط الذين أنعمتَ عليهم بطاعتك وعبادتك من ملائكتك وأنبيائك والصدّيقين والشهداء والصالحين، وذلك نظير الآية السابقة، وقال الربيع بن أنَس: هم النبيّون، وقال ابن جريج ومجاهد: هم المؤمنون، والتفسير المتقدم عن ابن عباس أعم وأشمل.
وقوله تعالى {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} بالجر على النعب، والمعنى: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم ممن تقدم وصفهم ونعتهم، وهم أهل الهداية والاستقامة، غير صراط المغضوب عليهم وهم الذين علموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين وهم الذين فقدوا العلم، فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق، وأكد الكلام ب (لا) ليدل على أن ثَمَّ مسلكين فاسدين وهما: طريقة اليهود، وطريقة النصارى، فجيء ب (لا) لتأكيد النفي وللفرق بين الطريقتين ليجتنب كل واحدٍ منهما، فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق والعمل به، واليهودُ فقدوا العمل، والنصارى فقدوا العلم، ولهذا كان الغضب لليهود، والضلال للنصارى، لكنْ أخصُّ أوصاف اليهود الغضب كما قال تعالى عنهم: {من لعنه الله وغضب عليه} وأخص أوصاف النصارى الضلال كما قال تعالى عنهم: {قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وأضلوا عن سواء السبيل}  
(فصل فيما اشتملت هذه السورة الكريمة - وهي سبع آيات - على حمد اللّه وتمجيده والثناء عليه بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المعاد وهو (يوم الدين) وعلى إرشاده عبيده إلى سؤاله، والتضرع إليه، والتبرىء من حولهم وقوّتهم، إلى إخلاص العبادة له وتوحيده بالألوهية تبارك وتعالى، وتنزيهه أن يكون له شريك أو نظير أو مماثل، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم وهو (الدين القويم) وتثبيتهم عليه حتى يقضي لهم بذلك إلى جواز الصراط يوم القيامة، المفضي بهم إلى جنّات النَّعيم، في جوار النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين.
واشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة ليكونوامع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل لئلا يحشروا مع سالكيها يوم القيامة وهم المغضوب عليهم والضّالّون.
 
 و في   فتح القدير للشوكاني   بتصرف
"الحمد لله" الحمد: هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري،   فمورد الحمد اللسان فقط، ومتعلقه النعمة وغيرها. ومورد الشكر اللسان والجنان والأركان، ومتعلقه النعمة. وقيل: إن مورد الحمد كمورد الشكر، لأن كل ثناء باللسان لا يكون من صميم القلب مع موافقة الجوارح ليس بحمد بل سخرية واستهزاء. وأجيب بأن اعتبار موافقة القلب والجوارح في الحمد لا يستلزم أن يكون مورداً له بل شرطاً- وفرق بين الشرط والشطر وتعريفه لاستغراق أفراد الحمد وأنها مختصة بالرب سبحانه على معنى أن حمد غيره لا اعتداد به، لأن المنعم هو الله عز وجل، أو على أن حمده هو الفرد الكامل فيكون الحصر ادعائياً  
 رب العالمين" قال في الصحاح: الرب اسم من أسماء الله تعالى، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة، وقد قالوه في الجاهلية للملك. وقال في الكشاف: الرب المالك. "اذكرني عند ربك" وفي الحديث: "أن تلد الأمة ربها"، والرب: المصلح والمدبر والجابر والقائم قال: والرب المعبود. ومنه قول الشاعر: أرب يبول الثعلبان برأسه لقد هان من بالت عليه الثعالب و"العالمين": جمع العالم، وهو كل موجود سوى الله تعالى، قاله قتادة. وقيل: أهل كل زمان عالم، قاله الحسين بن الفضل. وقال ابن عباس: العالمون الجن والإنس. وقال الفراء وأبو عبيد: العالم عبارة عمن يعقل وهم أربعة أمم: الإنس، والجن، والملائكة، والشياطين
 
3- "الرحمن الرحيم" قد تقدم تفسيرها ثم ذكر بقية الفاتحة
4- " مالك يوم الدين " قرئ والحق أن لكل واحد من الوصفين نوع أخصوصية لا يوجد في الآخر، فالمالك يقدر على ما لا يقدر عليه الملك من التصرفات بما هو مالك له بالبيع والهبة والعتق ونحوها، والملك يقدر على ما لا يقدر عليه المالك من التصرفات العائدة إلى تدبير الملك وحياطته ورعاية مصالح الرعية، فالمالك أقوى من الملك في بعض الأمور، والملك أقوى من المالك في بعض الأمور. والفرق بين الوصفين بالنسبة إلى الرب سبحانه أن الملك صفة لذاته، والمالك صفة لفعله. ويوم الدين: يوم الجزاء من الرب سبحانه لعباده كما قال: " وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم الدين * يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله " وهذه الإضافة إلى الظرف على طريق الاتساع كقولهم: يا سارق الليلة أهل الدار، .
5- "إياك نعبد وإياك نستعين : نخصك بالعبادة ونخصك بالاستعانة لا نعبد غيرك ولا نستعينه، والعبادة أقصى غايات الخضوع والتذلل وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله "إياك نعبد": يعني نوحد ونخاف يا ربنا لا غيرك، وإياك نستعين على طاعتك وعلى أمورنا كلها.
6- "اهدنا الصراط المستقيم ، والهداية قد يتعذر فعلها بنفسه كما هنا، وكقوله: "وهديناه النجدين" وقد يتعدى بإلى قوله: "اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم" "فاهدوهم إلى صراط الجحيم" "وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم" وقد يتعدى باللام كقوله: "الحمد لله الذي هدانا لهذا" "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم" قال الزمخشري: أصله أن يتعدى باللام أو بإلى انتهى. وهي الإرشاد أو التوفيق أو الإلهام أو الدلالة. وفرق كثير من المتأخرين بين معنى المتعدي بنفسه وغير المتعدي فقالوا: معنى الأول الدلالة، والثاني الإيصال. وطلب الهداية من المهتدي معناه طلب الزيادة كقوله تعالى: "والذين اهتدوا زادهم هدى" "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا" والصراط: الطريق، قال ابن جرير: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعاً على أن الصراط المستقيم: هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وهو كذلك في لغة جميع العرب.   وقد أخرج الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي عن أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ "اهدنا الصراط المستقيم" بالصاد".
7- "صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين" انتصب صراط على أنه بدل من الأول، وفائدته التوكيد لما فيه من التثنية والتكرير، ويجوز أن يكون عطف بيان، وفائدته الإيضاح، والذين أنعم الله عليهم هم المذكرون في سورة النساء حيث قال: " ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا * ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما " وأطلق الإنعام ليشمل كل إنعام، وغير المغضوب عليهم بدل من الذين أنعمت عليهم على معنى أنهم جمعوا بين النعمتين نعمة الإيمان والسلامة من ذلك، وصح جعله صفة للمعرفة مع كون غير لا تتعرف بالإضافة إلى المعارف لما فيها من الإبهام، لأنها هنا غير مبهمة لاشتهار المغايرة بين الجنسين.   ولا في قوله "ولا الضالين" تأكيد للنفي المفهوم من غير، والضلال في لسان العرب قال القرطبي: هو الذهاب عن سنن القصد وطريق الحق، . "غير المغضوب عليهم" قال اليهود. "ولا الضالين" قال النصارى.
 
[فائدة في مشروعية التأمين بعد قراءة الفاتحة] اعلم أن السنة الصحيحة الصريحة الثابتة تواتراً، قد دلت على ذلك، فمن ذلك ما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي عن وائل بن حجر قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ "غير المغضوب عليهم ولا الضالين" فقال آمين مد بها صوته" ولأبي داود "رفع بها صوته" وقد حسنه الترمذي. وأخرجه أيضاً النسائي وابن أبي شيبة وابن ماجه والحاكم وصححه، وفي لفظ من حديثه أنه صلى الله عليه وسلم: "قال رب اغفر لي آمين" أخرجه الطبراني والبيهقي. وفي لفظ أنه قال: "آمين ثلاث مرات" أخرجه الطبراني. 
 
و في ظلال القرأن بتصرف
تبدأالسورة:(بسم الله الرحمن الرحيم).. ومع الخلاف حول البسملة:أهي آية من كلسورةأم هي آية من القرآن تفتتح بها عند القراءة كل سورة , فإن الأرجح أنها آية منسورةالفاتحة , وبها تحتسب آياتها سبعا . وهناك قول بأن المقصود بقوله تعالى:(ولقدآتيناكسبعا من المثاني والقرآن العظيم).. هو سورة الفاتحة بوصفها سبع آيات (منالمثاني)لأنها يثنى بها وتكرر في الصلاة .
والبدءباسم الله هو الأدب الذي أوحى الله لنبيه [ص] في أول ما نزل من القرآنباتفاق , وهو قوله تعالى: (اقرأ باسم ربك …).. وهو الذي يتفق مع قاعدة التصورالإسلاميالكبرى من أن الله (هو الأول والآخر والظاهر والباطن).. فهو - سبحانه -الموجودالحق الذي يستمد منه كل موجود وجوده , ويبدأ منه كل مبدوء بدأه . فباسمهإذنيكون كل ابتداء . وباسمه إذن تكون كل حركة وكل اتجاه .
ووصفه - سبحانه - في البدء بالرحمن الرحيم , يستغرق كل معاني الرحمة وحالاتها ..وهوالمختص وحدهباجتماع هاتين الصفتين , كما أنه المختص وحده بصفة الرحمن . فمنالجائزأن يوصف عبد من عباده بأنه رحيم ; ولكن من الممتنع من الناحية الإيمانية أنيوصفعبد من عباده بأنه رحمن . ومن باب أولى أن تجتمع له الصفتان . . ومهما يختلففيمعنى الصفتين:أيتهما تدل على مدى أوسع
من الرحمة , فهذا الاختلاف ليس مما يعنيناتقصيهفي هذه الظلال ; إنما نخلص منه إلى استغراق هاتين الصفتين مجتمعتين لكل معانيالرحمةوحالاتها ومجالاتها .
 والحمدلله هو الشعور الذي يفيض به قلب المؤمن بمجرد ذكره لله . . فإن وجودهابتداءليس إلا فيضا من فيوضات النعمة الإلهية التي تستجيش الحمد والثناء . وفي كللمحةوفي كل لحظة وفي كل خطوة تتوالى آلاء الله وتتواكب وتتجمع , وتغمر خلائقه كلهاوبخاصةهذا الإنسان . . ومن ثم كان الحمد لله ابتداء , وكان الحمد لله ختاما قاعدةمنقواعد التصور الإسلامي المباشر: (وهو الله لا إله إلا هو , له الحمد في الأولىوالآخرة . . ..(
والتوجهإلى الله بالحمد يمثل شعور المؤمن الذي يستجيشه مجرد ذكره لله - كماأسلفنا - أما شطر الآية الأخير: (رب العالمين)فهو يمثل قاعدة التصور الإسلامي ,فالربوبيةالمطلقة الشاملة هي إحدى كليات العقيدة الإسلامية . . والرب هو المالكالمتصرف , ويطلق في اللغة على السيد وعلى المتصرف للإصلاح والتربية . . والتصرفللإصلاحوالتربية يشمل العالمين - أي جميع الخلائق - والله - سبحانه - لم يخلقالكونثم يتركه هملا . إنما هو يتصرف فيه بالإصلاح ويرعاه ويربيه . وكل العوالموالخلائقتحفظ وتتعهد برعاية الله رب العالمين . والصلة بين الخالق والخلائق دائمةممتدةقائمة في كل وقت وفي كل حالة .
والربوبيةالمطلقة هي مفرق الطريق بين وضوح التوحيد الكامل الشامل , والغبش الذيينشأمن عدم وضوح هذه الحقيقة بصورتها القاطعة . وكثيرا ما كان الناس يجمعون بينالاعترافبالله بوصفه الموجد الواحد للكون , والاعتقاد بتعدد الأرباب الذين يتحكمونفيالحياة . ولقد يبدو هذا غريبا مضحكا . ولكنه كان وما يزال . ولقد حكى لنا القرآنالكريمعن جماعة من المشركين كانوا يقولون عن أربابهم المتفرقة: (ما نعبدهمإلاليقربوناإلى الله زلفى). . كما قال عن جماعةمنأهل الكتاب: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون
 الله). . وكانت عقائدالجاهلياتالسائدة في الأرض كلها يوم جاء الإسلام , تعج بالأرباب المختلفة , بوصفهاأرباباصغارا تقوم إلى جانب كبير الآلهة كما يزعمون
  الرَّحْمـنِالرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)
(الرحمن الرحيم). . هذه الصفة التي تستغرق كل معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتهاتتكررهنا في صلب السورة , في آية مستقلة , لتؤكد السمة البارزة في تلك الربوبيةالشاملة ; ولتثبت قوائم الصلة الدائمة بين الرب ومربوبيه . وبين الخالق ومخلوقاته . . إنها صلة الرحمة والرعاية التي تستجيش الحمد والثناء . إنها الصلة التي تقوم علىالطمأنينةوتنبض بالمودة , فالحمد هو الاستجابة الفطرية للرحمة الندية .
(مالك يوم الدين). . وهذه تمثل الكلية الضخمة العميقة التأثير في الحياة البشريةكلهاكلية الاعتقاد بالآخرة . . والملك أقصى درجات الاستيلاء والسيطرة . ويوم الدينهويوم الجزاء في الآخرة . . وكثيرا ما اعتقد الناس بألوهية الله , وخلقه للكون أولمرة ; ولكنهم مع هذا لم يعتقدوا بيوم الجزاء . . والقرآن يقول عن بعض هؤلاء: (ولئنسألتهممن خلق السماوات والأرض ليقولن:الله). . ثم يحكي عنهم في موضع آخر: بل عجبواأنجاءهم منذر منهم فقال الكافرون:هذا شيء عجيب . أئذا متنا وكنا ترابا ? ذلك رجعبعيد !
والاعتقادبيوم الدين كلية من كليات العقيدة الإسلامية ذات قيمة في تعليق أنظارالبشروقلوبهم بعالم آخر بعد عالم الأرض ; فلا تستبد بهم ضرورات الأرض . وعندئذيملكونالاستعلاء على هذه الضرورات . ولا يستبد بهم القلق على تحقيق جزاء سعيهم فيعمرهمالقصير المحدود , وفي مجال الأرض المحصور . وعندئذ يملكون العمل لوجه اللهوانتظارالجزاء حيث يقدره الله , في الأرض أو في الدار الآخرة سواء , في طمأنينةلله , وفي ثقة بالخير , وفي إصرار على الحق , وفي سعة وسماحة ويقين . . ومن ثم فإنهذهالكلية تعد مفرق الطريق بين العبودية للنزوات والرغائب , والطلاقة الإنسانيةاللائقةببني الإنسان . بين الخضوع لتصورات الأرض وقيمها وموازينها والتعلق بالقيمالربانيةوالاستعلاء على منطق الجاهلية . مفرق الطريق بين الإنسانية في حقيقتهاالعلياالتي أرادها الله الرب لعباده , والصور المشوهة المنحرفة التي لم يقدر لهاالكمال .
ِيَّاكَنَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)
(إياك نعبد وإياك نستعين). . وهذه هي الكلية الاعتقادية التي تنشأ عن الكلياتالسابقةفي السورة . فلا عبادة إلا لله , ولا استعانة إلا بالله .
وهنايعرض موقف المسلم من القوى الإنسانية , ومن القوى الطبيعية . .
فأماالقوى الإنسانية - بالقياس إلى المسلم - فهي نوعان:قوة مهتدية , تؤمن بالله , وتتبع منهج الله . . . وهذه يجب أن يؤازرها , ويتعاون معها على الخير والحقوالصلاح . . وقوة ضالة لا تتصل بالله ولا تتبع منهجه . وهذه يجب أن يحاربهاويكافحهاويغير عليها .
إنعقيدة المسلم توحي إليه أن الله ربه قد خلق هذه القوى كلها لتكون له صديقامساعدامتعاونا ; وأن سبيله إلى كسب هذه الصداقة أن يتأمل فيها . ويتعرف إليها ,ويتعاونوإياها , ويتجه معها إلى الله ربه وربها . وإذا كانت هذه القوى تؤذيهأحيانا , فإنما تؤذيه لأنه لم يتدبرها ولم يتعرف إليها , ولم يهتد إلى الناموس الذييسيرها .
اهدِنَاالصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْغَيرِالمَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ  
فيؤمنبأن هنالك علاقة أخرى غير علاقة القهر والجفوة . أنه يعتقد أن اللههومبدع هذه القوى جميعا . خلقها كلها وفق ناموس واحد , لتتعاون على بلوغ الأهدافالمقدرةلها بحسب هذا الناموس . وأنه سخرها للإنسان ابتداء ويسر له كشف أسرارهاومعرفةقوانينها . وأن على الإنسان أن يشكر الله كلما هيأ له أن يظفر بمعونة منإحداها . فالله هو الذي يسخرها له , وليس هو الذي يقهرها: سخر لكم ما في الأرضجميعاوإذنفإن الأوهام لن تملأ حسه تجاه قوى الطبيعة ; ولن تقوم بينه وبينها المخاوف . . إنه يؤمن بالله وحده , ويعبد الله وحده , ويستعين بالله وحده . وهذه القوى منخلقربه . وهو يتأملها ويألفها ويتعرف أسرارها , فتبذل له معونتها , وتكشف له عنأسرارها. فيعيش معها في كون مأنوس صديق ودود . . وما أروع قول الرسول [ ص ] وهوينظرإلى جبل أحد:" هذا جبل يحبنا ونحبه " . . ففي هذه الكلمات كل ما يحمله قلبالمسلمالأول محمد [ ص ] من ود وألفة وتجاوب
 
وفي تفسير ابن سعدي   بتصرف
{ بِسْمِ اللَّهِ } أي: أبتدئ بكل اسم لله تعالى, لأن لفظ { اسم } مفرد مضاف, فيعم جميع الأسماء [الحسنى]. { اللَّهِ } هو المألوه المعبود, المستحق لإفراده بالعبادة, لما اتصف به من صفات الألوهية وهي صفات الكمال. { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء, وعمت كل حي, وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله. فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة, ومن عداهم فلهم نصيب منها.
واعلم أن من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها, الإيمان بأسماء الله وصفاته, وأحكام الصفات.
فيؤمنون مثلا, بأنه رحمن رحيم, ذو الرحمة التي اتصف بها, المتعلقة بالمرحوم. فالنعم كلها, أثر من آثار رحمته, وهكذا في سائر الأسماء. يقال في العليم: إنه عليم ذو علم, يعلم [به] كل شيء, قدير, ذو قدرة يقدر على كل شيء.
{ الْحَمْدُ لِلَّهِ } [هو] الثناء على الله بصفات الكمال, وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل, فله الحمد الكامل, بجميع الوجوه. { رَبِّ الْعَالَمِينَ } الرب, هو المربي جميع العالمين -وهم من سوى الله- بخلقه إياهم, وإعداده لهم الآلات, وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة, التي لو فقدوها, لم يمكن لهم البقاء. فما بهم من نعمة, فمنه تعالى.
وتربيته تعالى لخلقه نوعان: عامة وخاصة.
فالعامة: هي خلقه للمخلوقين, ورزقهم, وهدايتهم لما فيه مصالحهم, التي فيها بقاؤهم في الدنيا.
والخاصة: تربيته لأوليائه, فيربيهم بالإيمان, ويوفقهم له, ويكمله لهم, ويدفع عنهم الصوارف, والعوائق الحائلة بينهم وبينه, وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير, والعصمة عن كل شر. ولعل هذا [المعنى] هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب. فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة.
فدل قوله { رَبِّ الْعَالَمِينَ } على انفراده بالخلق والتدبير, والنعم, وكمال غناه, وتمام فقر العالمين إليه, بكل وجه واعتبار.
{ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } المالك: هو من اتصف بصفة الملك التي من آثارها أنه يأمر وينهى, ويثيب ويعاقب, ويتصرف بمماليكه بجميع أنواع التصرفات, وأضاف الملك ليوم الدين, وهو يوم القيامة, يوم يدان الناس فيه بأعمالهم, خيرها وشرها, لأن في ذلك اليوم, يظهر للخلق تمام الظهور, كمال ملكه وعدله وحكمته, وانقطاع أملاك الخلائق. حتى [إنه] يستوي في ذلك اليوم, الملوك والرعايا والعبيد والأحرار.
كلهم مذعنون لعظمته, خاضعون لعزته, منتظرون لمجازاته, راجون ثوابه, خائفون من عقابه, فلذلك خصه بالذكر, وإلا, فهو المالك ليوم الدين ولغيره من الأيام.
وقوله { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } أي: نخصك وحدك بالعبادة
والاستعانة, لأن تقديم المعمول يفيد الحصر, وهو إثبات الحكم للمذكور, ونفيه عما عداه. فكأنه يقول: نعبدك, ولا نعبد غيرك, ونستعين بك, ولا نستعين بغيرك.
وقدم العبادة على الاستعانة, من باب تقديم العام على الخاص, واهتماما بتقديم حقه تعالى على حق عبده.
و { العبادة } اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال, والأقوال الظاهرة والباطنة. و { الاستعانة } هي الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع, ودفع المضار, مع الثقة به في تحصيل ذلك.
والقيام بعبادة الله والاستعانة به هو الوسيلة للسعادة الأبدية, والنجاة من جميع الشرور, فلا سبيل إلى النجاة إلا بالقيام بهما. وإنما تكون العبادة عبادة, إذا كانت مأخوذة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مقصودا بها وجه الله. فبهذين الأمرين تكون عبادة, وذكر { الاستعانة } بعد { العبادة } مع دخولها فيها, لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى. فإنه إن لم يعنه الله, لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر, واجتناب النواهي.
ثم قال تعالى: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } أي: دلنا وأرشدنا, ووفقنا للصراط المستقيم, وهو الطريق الواضح الموصل إلى الله, وإلى جنته, وهو معرفة الحق والعمل به, فاهدنا إلى الصراط واهدنا في الصراط. فالهداية إلى الصراط: لزوم دين الإسلام, وترك ما سواه من الأديان, والهداية في الصراط, تشمل الهداية لجميع التفاصيل الدينية علما وعملا. فهذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها للعبد ولهذا وجب على الإنسان أن يدعو الله به في كل ركعة من صلاته, لضرورته إلى ذلك.
وهذا الصراط المستقيم هو: { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. { غَيْرِ } صراط { الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } الذين عرفوا الحق وتركوه كاليهود ونحوهم. وغير صراط { الضَّالِّينَ } الذين تركوا الحق على جهل وضلال, كالنصارى ونحوهم.
فهذه السورة على إيجازها, قد احتوت على ما لم تحتو عليه سورة من سور القرآن, فتضمنت أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية يؤخذ من قوله: { رَبِّ الْعَالَمِينَ }
وتوحيد الإلهية وهو إفراد الله بالعبادة, يؤخذ من لفظ: { اللَّهِ } ومن قوله: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } وتوحيد الأسماء والصفات, وهو إثبات صفات الكمال لله تعالى, التي أثبتها لنفسه, وأثبتها له رسوله من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه, وقد دل على ذلك لفظ { الْحَمْدُ } كما تقدم. وتضمنت إثبات النبوة في قوله: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } لأن ذلك ممتنع بدون الرسالة.
وإثبات الجزاء على الأعمال في قوله: { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } وأن الجزاء يكون بالعدل, لأن الدين معناه الجزاء بالعدل.
وتضمنت إثبات القدر, وأن العبد فاعل حقيقة, خلافا للقدرية والجبرية. بل تضمنت الرد على جميع أهل البدع [والضلال] في قوله: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } لأنه معرفة الحق والعمل به. وكل مبتدع [وضال] فهو مخالف لذلك.
وتضمنت إخلاص الدين لله تعالى, عبادة واستعانة في قوله: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } فالحمد لله رب العالمين.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
النفحة الثانية
 
الم{1} ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ{2} الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ{3} والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ{4} أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{5}
 
أخي المسلم الحبيب ثم تأمل معي هذه النفحة الثاتية وتذوق حلاوتها بأحاسيسك ووجدانك كرر قرأتها وتأمل معانيها وأهدافها وركز بفهم ماذا قال عنها بعض المفسرين وأصحاب الخواطرالايمانية 0 هنا ستدرك لماذا اخترت هذه النفحة  
 تفسير الإمام جلال الدين السيوطي (الجلالين)
 (الم) الله أعلم بمراده بذلك
2 (ذلك) أي هذا (الكتاب) الذي يقرؤه محمد (لا ريب) لا شك (فيه) أنه من عند الله ، وجملة النفي خبر مبتدؤه ذلك والإشارة به للتعظيم (هدى) خبر ثان أي هاد (للمتقين) الصائرين إلى التقوى بامتثال الأوامر واجتناب النواهي لاتقائهم بذلك النار
3 (الذين يؤمنون) يصدقون (بالغيب) بما غاب عنهم من البعث والجنة والنار (ويقيمون الصلاة) أي يأتون بها بحقوقها (ومما رزقناهم) أعطيناهم (ينفقون) في طاعة الله
4 (والذين يؤمنون بما أنزل إليك) أي القرآن (وما أنزل من قبلك) أي التوراة والإنجيل وغيرهما (وبالآخرة هم يوقنون) يعلمون
5 (أولئك) الموصوفون بما ذكر (على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون) الفائزون بالجنة الناجون من النار
 
  وفي تفسيرابن كثير بتصرف
 
       عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لكل شيءٍ سنام وإن سنام القرآن سورة البقرة وفيها آية هي سيدة آي القرآن آية الكرسي» وفي مسند أحمد وصحيح مسلم والترمذي والنسائي من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لا تجعلوا بيوتكم قبوراً فإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان» وقال الترمذي: حسن صحيح » روى أيضاً من طريق الشعبي قال: قال عبد الله بن مسعود من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة, أربع من أولها وآية الكرسي, وآيتان بعدها, وثلاث آيات من آخرها, وفي رواية لم يقربه ولا أهله يومئذ شيطان, ولا شيء يكرهه, ولا يقرأن على مجنون إلا أفاق عن أبي أمامة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «اقرؤوا القرآن فإنه شافع لأهله يوم القيامة اقرؤوا الزهراوين البقرة وآل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان طير صواف يحاجان عن أهلهما يوم القيامة ثم قال اقرؤوا البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة» وقد رواه مسلم في الصلاة من حديث معاوية بن سلام 
بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ
**  الَمَذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتّقِينَ
 
 
   قال ابن جريج قال ابن عباس ذلك الكتاب أي هذا الكتاب وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والسدي ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم وابن جريج أن ذلك بمعنى هذا والعرب تعارض بين اسمي الإشارة فيستعملون كلاً منهما مكان الاَخر وهذا معروف في كلامهم وقد حكاه البخاري عنمعمر بن المثنى عن أبي عبيدة وقال الزمخشري ذلك إشارة إلى {الم} كما قال تعالى {لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك} وقال تعالى {ذلك حكم الله يحكم بينكم} وقال {ذلكم الله} وأمثال ذلك مما أشير به إلى ما تقدم ذكره والله أعلم. 
وعن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم {لا ريب فيه} لا شك فيه 
 ومعنى الكلام هنا أن هذا الكتاب هو القرآن لا شك فيه أنه نزل من عند الله كما قال تعالى في السجدة {الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين} وقال بعضهم هذه خبر ومعناه النهي أي لا ترتابوا فيه. ومن القراء من يقف على قوله تعالى {لا ريب} ويبتدى بقوله تعالى {فيه هدى للمتقين} والوقف على قوله تعالى {لا ريب فيه} أولى للاَية التي ذكرناها ولأنه يصير قوله تعالى {هدى} صفة للقرآن وذلك أبلغ من كون فيه هدى, وهدى يحتمل من حيث العربية أن يكون مرفوعاً على النعت ومنصوباً على الحال وخصت الهداية للمتقين كما قال {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد} {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً} إلى غير ذلك من الاَيات الدالة على اختصاص المؤمنين بالنفع بالقرآن لأنه هو في نفسه هدى ولكن لا يناله إلا الأبرار كما قال تعالى {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين}   عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم {هدى للمتقين} يعني نوراً للمتقين  
 وقد قيل إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أبي بن كعب عن التقوى فقال له أما سلكت طريقاً ذا شوك ؟ قال بلى, قال فما عملت قال شمرت واجتهدت قال فذلك التقوى. وقد أخذ هذا المعنى ابن المعتز فقال:
 خل الذنوب صغيرهاو كبيرها ذاك التقى
 واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى
 لا تحقرن صغيرةإنّ الجبال من الحصى
 وأنشد أبو الدرداء يوماً:
 يريد المرء أن يؤتى مناه        ويأبى الله إلا ما أرادا
 يقول المرء فائدتي ومالي   وتقوى الله أفضل ما استفادا
 وفي سنن ابن ماجه عن أبي أمامة رضي الله عنه قال رسول لله صلى الله عليه وسلم «ما استفاد المرء بعد تقوى الله خيراً من زوجة صالحة إن نظر إليها سرته, وإن أمرها أطاعته, وإن أقسم عليها أبرته, وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله».
 ** الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصّلاةَ وَممّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ  
 قال ابن جرير: والأولى أن يكونوا موصوفين بالإيمان بالغيب قولاً وعملاً واعتقاداً وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان الذي هو تصديق القول بالعمل, والإيمان كلمة جامعة للإقرار بالله وكتبه ورسله وتصديق الإقرار بالفعل (قلت) أما الإيمان في اللغة فيطلق على التصديق المحض وقد يستعمل في القرآن والمراد به ذلك كما قال تعالى {يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} وكما قال إخوة يوسف لأبيهم {وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين} 
 وَيُقِيمُونَ الصّلاةَ وَممّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ
قال ابن عباس ويقيمون الصلاة أي يقيمون الصلاة بفروضها وقال الضحاك عن ابن عباس إقامة الصلاة إتمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع والإقبال عليها فيها, وقال قتادة إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها وقال مقاتل بن حيان إقامتها المحافظة على مواقيتها وإسباغ الطهور بها وتمام ركوعها وسجودها وتلاوة القرآن فيها والتشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فهذا إقامتها.
 وقال قتادة {ومما رزقناهم ينفقون} فأنفقوا مما أعطاكم الله, هذه الأموال عوار وودائع عندك يا ابن آدم يوشك أن تفارقها.
  
 ** والّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
   قال ابن عباس والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك أي يصدّقون بما جئت به من الله وما جاء به من قبلك من المرسلين لا يفرّقون بينهم ولا يجحدون ما جاؤوهم به من ربهم وبالاَخرة هم يوقنون أي بالبعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان وإنما سميت الاَخرة لأنها بعد الدنيا وقد اختلفت المفسرون في الموصوفين هنا, هل هم الموصوفون بما تقدّم من قوله تعالى: {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} ومن هم ؟ على ثلاثة أقوال حكاها ابن جرير أحدها أن الموصوفين أولاً هم الموصوفون ثانياً وهم كل مؤمن مؤمنو العرب ومؤمنو أهل الكتاب وغيرهم قاله مجاهد وأبو العالية والربيع بن أنس وقتادة, والثاني هما واحد وهم مؤمنو أهل الكتاب وعلى هذين تكون الواو عاطفة على صفات كما قال تعالى: {سبح اسم ربك الأعلى. الذي خلق فسوى. والذي قدّر فهدى والذي أخرج المرعى. فجعله غثاء أحوى}  
 ** أُوْلَـَئِكَ عَلَىَ هُدًى مّن رّبّهِمْ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
   يقول الله تعالى: {أولئك} أي المتصفون بما تقدم من الإيمان بالغيب وإقام الصلاة والإنفاق من الذي رزقهم الله والإيمان بما أنزل إلى الرسول ومن قبله من الرسل والإيقان بالدار الاَخرة وهو مستلزم الاستعداد لها من الأعمال الصالحة وترك المحرمات {على هدى} أي على نور وبيان وبصيرة من الله تعالى: {وأولئك هم المفلحون} أي في الدنيا والاَخرة, وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس {أولئك على هدى من ربهم} أي على نور من ربهم واستقامة على ما جاءهم به {وأولئك هم المفلحون} أي الذين أدركوا ما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربوا وقال ابن جرير وأما معنى قوله تعالى: {أولئك على هدى من ربهم} فإن معنى ذلك فإنهم على نور من ربهم وبرهان واستقامة وسداد بتسديده إياهم وتوفيقه لهم وتأويل قوله تعالى: {وأولئك هم المفلحون} أي المنجحون المدركون ما طلبوا عند الله بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله من الفوز بالثواب. والخلود في الجنات والنجاة مما أعد الله لأعدائه من العقاب. وقد حكى ابن جرير قولاً عن بعضهم أنه أعاد اسم الإشارة في قوله تعالى: {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} إلى مؤمني أهل الكتاب الموصوفين بقوله تعالى: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك} الاَية, على ما تقدم من الخلاف, وعلى هذا فيجوز أن يكون قوله تعالى: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك} منقطعاً مما قبله وأن يكون مرفوعاً على الابتداء وخبره {أولئك هم المفلحون} } وقد تقدم من الترجيح أن ذلك صفة للمؤمنين عامة والإشارة عائدة عليهم والله أعلم.
 وفي الدر المنثور للسيوطي
 أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم عن طلق بن حبيب أنه قيل له : ألا تجمع لنا التقوى في كلام يسير يرونه ؟ قال : التقوى العمل بطاعةالله على نور من الله رجاء رجمة الله والتقوى ترك معاصي الله على نور من الله مخافة عذاب الله
وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي الدنيا عن أبي الدرداء قال : تمام التقوى أن يتقي الله العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما
يكون حجابا بينه وبين الحرام
 
 وأخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند والحاكم والبيهقي في الدعوات عن أبي بن كعب قال " كنت عند النبي صلى الله عليه و سلم فجاء أعرابي فقال : يا نبي الله إن لي أخا وبه وجع قال : وما وجعه ؟ قال : به لمم قال : فائتني به
 فأتاه فعوذه النبي صلى الله عليه و سلم بفاتحة الكتاب وأربع آيات من أول سورة البقرة وهاتين الآيتين وإلهكم إله واحد البقرة الآية 163 وآية الكرسي وثلاث آيات من آخر سورة البقرة وآية من آل عمران شهد الله أنه لا إله إلا هو آل عمران 18 وآية من الأعراف إن ربكم الله الأعراف الآية 54 وآخر سورة المؤمنين فتعالى الله الملك الحق المؤمنون الآية 116 وآية من سورة الجن وأنه تعالى حد ربنا الجن الآية 3 وعشر آيات من أول الصافات وثلاث آيات من آخر سورة الحشر و قل هو الله أحد و المعوذتين فقام الرجل كأنه لم يشك قط " حديث الثلاث والثلاثون آية
    قال الشوكاني  في تفسيره فتح القدير بتصرف
 
: قال ابن عباس: 2- "ذلك الكتاب" هذا الكتاب وبه قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والسدي ومقاتل وزيد بن أسلم وابن جريج، وحكاه البخاري عن أبي عبيدة. والعرب قد تستعمل الإشارة إلى البعيد الغائب مكان الإشارة إلى القريب     عن ابن عباس في قوله: "هدى للمتقين" أي الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ويرجون رحمته في التصديق مما جاء منه. وأخرج ابن أبي حاتم عن معاذ بن جبل أنه قيل له: من المتقون؟ فقال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا لله العبادة.    
3- "الذين يؤمنون بالغيب" هو وصف للمتقين كاشف. والإيمان في اللغة: التصديق، وفي الشرع ما سيأتي. والغيب في كلام العرب: كل ما غاب عنك في حديث جبريل حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت" انتهى. وهذا الحديث هو ثابت في الصحيح بلفظ: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، والقدر خيره وشره ، وأخرج ابن أبي شيبة في مسنده عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا ليتني قد لقيت إخواني. قالوا: يا رسول الله ألسنا إخوانك؟ قال: بلى، ولكن قوم يجيئون من بعدكم يؤمنون بي إيمانكم ويصدقوني تصديقكم وينصروني نصركم، فيا ليتني قد لقيت إخواني" 
 وإقامة الصلاة أداؤها بأركانها وسننها وهيئاتها في أوقاتها. والصلاة أصلها في اللغة: الدعاء من صلى يصلي إذا دعا. 
. والإنفاق: إخراج المال من اليد، وفي المجيء بمن التبعضية ههنا نكتة سرية هي الإرشاد إلى ترك الإسراف. 
4- "والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون" قيل هم مؤمنو أهل الكتاب، فإنهم جمعوا بين الإيمان بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزله على من قبله وفيهم نزلت. وقد رجح هذا ابن جرير، ونقله السدي في تفسيره عن ابن عباس وابن مسعود وأناس من الصحابة، واستشهد به ابن جرير بقوله تعالى: "وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم" وبقوله تعالى: " الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون * وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين * أولئك يؤتون أجرهم مرتين "   وعلى هذا فهذه الجملة معطوفة على الجملة الأولى صفة للمتقين بعد صفة، 
  5- "أولئك على هدى" ويمكن أن يكون هذا خبراً عن الذين يؤمنون بالغيب إلخ فيكون متصلاً بما قبله. قال في الكشاف: ومعنى الاستعلاء في قوله: "على هدى" مثل لتمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه وتمسكهم به، شبهت حالهم حال من اعتلى الشيء وركبه، ونحوه: هو على الحق وعلى الباطل. وقد صرحوا بذلك في قوله: جعل الغواية مركباً وامتطى الجهل واقتعد عارب الهوى انتهى وأبي العالية والربيع بن أنس وقتادة. وأخرج ابن أبي حاتم من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قيل: يا رسول الله إنا نقرأ من القرآن فنرجو ونقرأ فنكاد أن نيأس أو كما قال: فقال: ألا أخبركم عن أهل الجنة وأهل النار؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين " إلى قوله: "المفلحون" هؤلاء أهل الجنة، قالوا: إنا نرجو أن نكون هؤلاء،.
 
و في ظلال ا القرأن بتصرف
ذلك الكتاب لا ريب فيه). .
ومنأين يكون ريب أو شك ; ودلالة الصدق واليقين كامنة في هذا المطلع , ظاهرة فيعجزهمعن صياغة مثله , من مثل هذه الأحرف المتداولة بينهم , المعروفة لهم من لغتهم ?
. . هدى للمتقين). .
الهدىحقيقته , والهدى طبيعته , والهدى كيانه , والهدى ماهيته . . ولكن لمن ?لمنيكون ذلك الكتاب هدى ونورا ودليلا ناصحا مبينا ? . . للمتقين . . فالتقوى فيالقلبهي التي تؤهله للانتفاع بهذا الكتاب . هي
التيتفتح مغاليق القلب له فيدخل ويؤدي دوره هناك . هي التي تهيء لهذاالقلبأن يلتقط وأن يتلقى وأن يستجيب .
لابد لمن يريد أن يجد الهدى في القرآن أن يجيء إليه بقلب سليم . بقلب خالص . ثمأنيجيء إليه بقلب يخشى ويتوقى , ويحذر أن يكون على ضلالة , أو أن تستهويه ضلالة . . وعندئذ يتفتح القرآن عن أسراره وأنواره , ويسكبها في هذا القلب الذي جاء إليهمتقيا , خائفا , حساسا , مهيأ للتلقي . . ورد أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -سألأبي بن كعب عن التقوى فقال له:أما سلكت طريقا ذا شوك ? قال بلى ! قال:فما عملت ? قال:شمرت واجتهدت . قال:فذلك التقوى . .
فذلكالتقوى . . حساسية في الضمير , وشفافية في الشعور , وخشية مستمرة , وحذردائم , وتوق لأشواك الطريق . . طريق الحياة . . الذي تتجاذبه أشواك الرغائبوالشهوات , وأشواك المطامع والمطامح , وأشواك المخاوف والهواجس , وأشواك الرجاءالكاذبفيمن لا يملك إجابة رجاء , والخوف الكاذب ممن لا يملك نفعا ولا ضرا . وعشراتغيرهامن الأشواك !
ثميأخذ السياق في بيان صفة المتقين ; وهي صفة السابقين من المؤمنين في المدينةكماأنها صفة الخلص من مؤمني هذه الأمة في كل حين:
(الذين يؤمنون بالغيب). . فلا تقوم حواجز الحس دون الاتصال بين أرواحهم والقوةالكبرىالتي صدرت عنها , وصدر عنها هذا الوجود ; ولا تقوم حواجز الحس بين أرواحهموسائرما وراء الحس من حقائق وقوى وطاقات وخلائق وموجودات .
والإيمانبالغيب هو العتبة التي يجتازها الإنسان , فيتجاوز مرتبة الحيوان الذيلايدرك إلا ما تدركه حواسه , إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل منذلكالحيز الصغير المحدد الذي تدركه الحواس - أو الأجهزة التي هي امتداد للحواس -وهينقلة بعيدة الأثر في تصور الإنسان لحقيقة الوجود كله ولحقيقة وجوده الذاتي ,ولحقيقةالقوى المنطلقة في كيان هذا الوجود , وفي إحساسه بالكون وما وراء الكون منقدرةوتدبير . كما أنها بعيدة الأثر في حياته على الأرض  
 
 
 
 
 
 
(ويقيمون الصلاة). . فيتجهون بالعبادة لله وحده , ويرتفعون بهذا عن عبادة العباد , وعبادة الأشياء . يتجهون إلى القوة المطلقة بغير حدود ويحنون جباههم لله لاللعبيد ; والقلب الذي يسجد لله حقا , ويتصل به على مدار الليل والنهار , يستشعر أنهموصولالسبب بواجب الوجود , ويجد لحياته غاية أعلى من أن تستغرق في الأرض وحاجاتالأرض , ويحس أنه أقوى من المخاليق لأنه موصول بخالق المخاليق . . وهذا كله مصدرقوةللضمير , كما أنه مصدر تحرج وتقوى , وعامل هام من عوامل تربية الشخصية , وجعلهاربانيةالتصور , ربانية الشعور , ربانية السلوك .
(ومما رزقناهم ينفقون). . فهم يعترفون ابتداء بأن المال الذي في أيديهم هو منرزقالله لهم , لا من خلق أنفسهم ; ومن هذا الاعتراف بنعمة الرزق ينبثق البر بضعافالخلق, والتضامن بين عيال الخالق , والشعور بالآصرة الإنسانية , وبالأخوة البشرية . . وقيمة هذا كله تتجلى في تطهير النفس من الشح , وتزكيتها بالبر . وقيمتها أنهاتردالحياة مجال تعاون لا معترك تطاحن , وأنها تؤمن العاجز والضعيف والقاصر ,وتشعرهمأنهم يعيشون بين قلوب ووجوه ونفوس , لا بين أظفار ومخالب ونيوب !
والَّذِينَيُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَوَبِالآخِرَةِهُمْ يُوقِنُونَ (4) أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْوَأُوْلَـئِكَهُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)
 
بإسنادهلفاطمة بنت قيس " إن في المال حقا سوى الزكاة " . . وتقرير المبدأ علىشمولههو المقصود في هذا النص السابق على فريضة الزكاة
(والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك). . وهي الصفة اللائقة بالأمةالمسلمة , وارثة العقائد السماوية , ووارثة النبوات منذ فجر البشرية , والحفيظة علىتراثالعقيدة وتراث النبوة , وحادية موكب الإيمان في الأرض إلى آخر الزمان . وقيمةهذهالصفة هي الشعور بوحدة البشرية , ووحدة دينها , ووحدة رسلها , ووحدة معبودها . . قيمتها هي تنقية الروح من التعصب الذميم ضد الديانات والمؤمنين بالديانات مادامواعلى الطريق الصحيح . . قيمتها هي الاطمئنان إلى رعاية الله للبشرية على تطاولأجيالهاوأحقابها . هذه الرعاية البادية في توالي الرسل والرسالات بدين واحد وهدىواحد . قيمتها هي الاعتزاز بالهدى الذي تتقلب الأيام والأزمان , وهو ثابت مطرد ,كالنجمالهادي في دياجير الظلام
(وبالآخرة وبالآخرة هم يوقنون). . وهذه خاتمة السمات . الخاتمة التي تربط الدنيا بالآخرة , والمبدأ بالمصير , والعمل بالجزاء ; والتي تشعر الإنسان أنه ليس لقى مهملا , وأنهلميخلق عبثا , ولن يترك سدى ; وأن العدالة المطلقة في انتظاره , ليطمئن قلبه ,وتستقربلابله , ويفيء إلى العمل الصالح , وإلى عدل الله ورحمته في نهاية المطاف .
واليقينبالآخرة هو مفرق الطريق بين من يعيش بين جدران الحس المغلقة , ومن يعيشفيالوجود المديد الرحيب . بين من يشعر أن حياته على الأرض هي كل ما له في هذاالوجود , ومن يشعر أن حياته على الأرض ابتلاء يمهد للجزاء , وأن الحياة الحقيقيةإنماهي هنالك , وراء هذا الحيز الصغير المحدود .
 جميعا . . ومن ثم كان هذا التقرير:(أولئك على هدى من ربهم , وأولئك هم المفلحون). .
وكذلكاهتدوا وكذلك أفلحوا . والطريق للهدى والفلاح هو هذا الطريق المرسوم
 
قال ابن سعدي   في تفسيره      بتصرف
 تقدم الكلام على البسملة. وأما الحروف المقطعة في أوائل السور, فالأسلم فيها, السكوت عن التعرض لمعناها [من غير مستند شرعي], مع الجزم بأن الله تعالى لم ينزلها عبثا بل لحكمة لا نعلمها.
وقوله { ذَلِكَ الْكِتَابُ } أي هذا الكتاب العظيم الذي هو الكتاب على الحقيقة, المشتمل على ما لم تشتمل عليه كتب المتقدمين والمتأخرين من العلم العظيم,
والحق المبين. فـ { لَا رَيْبَ فِيهِ } ولا شك بوجه من الوجوه، ونفي الريب عنه, يستلزم ضده, إذ ضد الريب والشك اليقين، فهذا الكتاب مشتمل على علم اليقين المزيل للشك والريب. وهذه قاعدة مفيدة, أن النفي المقصود به المدح, لا بد أن يكون متضمنا لضدة, وهو الكمال, لأن النفي عدم, والعدم المحض, لا مدح فيه.
فلما اشتمل على اليقين وكانت الهداية لا تحصل إلا باليقين قال: { هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } والهدى: ما تحصل به الهداية من الضلالة والشبه، وما به الهداية إلى سلوك الطرق النافعة. وقال { هُدًى } وحذف المعمول, فلم يقل هدى للمصلحة الفلانية, ولا للشيء الفلاني, لإرادة العموم, وأنه هدى لجميع مصالح الدارين، فهو مرشد للعباد في المسائل الأصولية والفروعية, ومبين للحق من الباطل, والصحيح من الضعيف, ومبين لهم كيف يسلكون الطرق النافعة لهم, في دنياهم وأخراهم.
 والهداية نوعان: هداية البيان, وهداية التوفيق. فالمتقون حصلت لهم الهدايتان, وغيرهم لم تحصل لهم هداية التوفيق. وهداية البيان بدون توفيق للعمل بها, ليست هداية حقيقية [تامة].
ثم وصف المتقين بالعقائد والأعمال الباطنة, والأعمال الظاهرة, لتضمن التقوى لذلك فقال: { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } حقيقة الإيمان: هو التصديق التام بما أخبرت به الرسل, المتضمن لانقياد الجوارح، وليس الشأن في الإيمان بالأشياء المشاهدة بالحس, فإنه لا يتميز بها المسلم من الكافر. إنما الشأن في الإيمان بالغيب, الذي لم نره ولم نشاهده, وإنما نؤمن به, لخبر الله وخبر رسوله. فهذا الإيمان الذي يميز به المسلم من الكافر, لأنه تصديق مجرد لله ورسله. فالمؤمن يؤمن بكل ما أخبر الله به, أو أخبر به رسوله, سواء شاهده, أو لم يشاهده وسواء فهمه وعقله, أو لم يهتد إليه عقله وفهمه. بخلاف الزنادقة والمكذبين بالأمور الغيبية, لأن عقولهم القاصرة المقصرة لم تهتد إليها فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ففسدت عقولهم, ومرجت أحلامهم. وزكت عقول المؤمنين المصدقين المهتدين بهدى الله.
ويدخل في الإيمان بالغيب, [الإيمان بـ] بجميع ما أخبر الله به من الغيوب الماضية والمستقبلة, وأحوال الآخرة, وحقائق أوصاف الله وكيفيتها, [وما أخبرت به الرسل من ذلك] فيؤمنون بصفات الله ووجودها, ويتيقنونها, وإن لم يفهموا كيفيتها.
ثم قال: { وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ } لم يقل: يفعلون الصلاة, أو يأتون بالصلاة, لأنه لا يكفي فيها مجرد الإتيان بصورتها الظاهرة. فإقامة الصلاة, إقامتها ظاهرا, بإتمام أركانها, وواجباتها, وشروطها. وإقامتها باطنا بإقامة روحها, وهو حضور القلب فيها, وتدبر ما يقوله ويفعله منها، فهذه الصلاة هي التي قال الله فيها: { إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ } وهي التي يترتب عليها الثواب. فلا ثواب للإنسان من صلاته, إلا ما عقل منها، ويدخل في الصلاة فرائضها ونوافلها.
ثم قال: { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } يدخل فيه النفقات الواجبة كالزكاة, والنفقة على الزوجات والأقارب, والمماليك ونحو ذلك. والنفقات المستحبة بجميع طرق الخير. ولم يذكر المنفق عليهم, لكثرة أسبابه وتنوع أهله, ولأن النفقة من حيث هي, قربة إلى الله، وأتى بـ " من " الدالة على التبعيض, لينبههم أنه لم يرد منهم إلا جزءا يسيرا من أموالهم, غير ضار لهم ولا مثقل, بل ينتفعون هم بإنفاقه, وينتفع به إخوانهم.
وفي قوله: { رَزَقْنَاهُمْ } إشارة إلى أن هذه الأموال التي بين أيديكم, ليست حاصلة بقوتكم وملككم, وإنما هي رزق الله الذي خولكم, وأنعم به عليكم، فكما أنعم عليكم وفضلكم على كثير من عباده, فاشكروه بإخراج بعض ما أنعم به عليكم, وواسوا إخوانكم المعدمين.
وكثيرا ما يجمع تعالى بين الصلاة والزكاة في القرآن, لأن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود, والزكاة والنفقة متضمنة للإحسان على عبيده، فعنوان سعادة العبد إخلاصه للمعبود, وسعيه في نفع الخلق، كما أن عنوان شقاوة العبد عدم هذين الأمرين منه, فلا إخلاص ولا إحسان.
ثم قال: { وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ } وهو القرآن والسنة، قال تعالى: { وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } فالمتقون يؤمنون بجميع ما جاء به الرسول, ولا يفرقون بين بعض ما أنزل إليه, فيؤمنون ببعضه, ولا يؤمنون ببعضه, إما بجحده أو تأويله, على غير مراد الله ورسوله, كما يفعل ذلك من يفعله من المبتدعة, الذين يؤولون النصوص الدالة على خلاف قولهم, بما حاصله عدم التصديق بمعناها, وإن صدقوا بلفظها, فلم يؤمنوا بها إيمانا حقيقيا.
وقوله: { وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ } يشمل الإيمان بالكتب السابقة، ويتضمن الإيمان بالكتب الإيمان بالرسل وبما اشتملت عليه, خصوصا التوراة والإنجيل والزبور، وهذه خاصية المؤمنين يؤمنون بجميع الكتب السماوية وبجميع الرسل فلا يفرقون بين أحد منهم.
ثم قال: { وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } و " الآخرة " اسم لما يكون بعد الموت، وخصه [بالذكر] بعد العموم, لأن الإيمان باليوم الآخر, أحد أركان الإيمان؛ ولأنه أعظم باعث على الرغبة والرهبة والعمل، و " اليقين " هو العلم التام الذي ليس فيه أدنى شك, الموجب للعمل.
{ أُولَئِكَ } أي: الموصوفون بتلك الصفات الحميدة { عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ } أي: على هدى عظيم, لأن التنكير للتعظيم، وأي هداية أعظم من تلك الصفات المذكورة المتضمنة للعقيدة الصحيحة والأعمال المستقيمة، وهل الهداية [الحقيقية] إلا هدايتهم، وما سواها [مما خالفها]، فهو ضلالة.
وأتى بـ " على " في هذا الموضع, الدالة على الاستعلاء, وفي الضلالة يأتي بـ " في " كما في قوله: { وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } لأن صاحب الهدى مستعل بالهدى, مرتفع به, وصاحب الضلال منغمس فيه محتقر. ثم قال: { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } والفلاح [هو] الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، حصر
 الفلاح فيهم؛ لأنه لا سبيل إلى الفلاح إلا بسلوك سبيلهم, وما عدا تلك السبيل, فهي سبل الشقاء والهلاك والخسار التي تفضي بسالكها إلى الهلا ك
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
00
 
النفحة الثالثة
 
وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ{163}نَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ{164} وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ
 
  أخي المسلم الحبيب ثم تأمل معي هذه النفحة وتذوق حلاوتها بأحاسيسك ووجدانك كرر قرأتها وتأمل معانيها وأهدافها وركز بفهم ماذا قال عنها بعض المفسرين وأصحاب الخواطرالايمانية 0 هنا ستدرك لماذا اخترت هذه النفحة  
 
قال ابن كثير في تفسيرة   بتصرف
 
** وَإِلَـَهُكُمْ إِلَـَهٌ وَاحِدٌ لاّ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ الرّحْمَـَنُ الرّحِيمُ
   يخبر تعالى عن تفرده بالإلهية, أنه لاشريك له ولا عديل, له, بل هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا إله إلا هو, وأنه الرحمن الرحيم وقد تقدم تفسير هذين الاسمين في أول الفاتحة, وفي الحديث عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد بن السكن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, أنه قال «اسم الله الأعظم في هاتين الاَيتين {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} و{الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم}» ثم ذكر الدليل على تفرده بالإلهية بخلق السموات والأرض وما فيهما وما بين ذلك مما ذرأ وبرأ من المخلوقات الدالة على وحدانيته, فقال:)
** إِنّ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللّيْلِ وَالنّهَارِ وَالْفُلْكِ الّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النّاسَ وَمَآ أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السّمَآءِ مِن مّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثّ فِيهَا مِن كُلّ دَآبّةٍ وَتَصْرِيفِ الرّيَاحِ وَالسّحَابِ الْمُسَخّرِ بَيْنَ السّمَآءِ وَالأرْضِ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
 يقول تعالى: {إن في خلق السموات والأرض} تلك في ارتفاعها ولطافتها واتساعها وكواكبها السيارة والثوابت ودوران فلكها ـ وهذه الأرض في كثافتها وانخفاضها وجبالها وبحارها وقفارها ووهادها وعمرانها وما فيها من المنافع, واختلاف الليل والنهار. هذا يجيء ثم يذهب ويخلفه الاَخر ويعقبه, لا يتأخر عنه لحظة, كما قال تعالى: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون} وتارة يطول هذا ويقصر هذا, وتارة يأخذ هذا من هذا ثم يتقارضان, كما قال تعالى: {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل} أي يزيد من هذا في هذا ومن هذا في هذا, {والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس} أي في تسخير البحر بحمل السفن من جانب إلى جانب لمعايش الناس والانتفاع بما عند أهل ذلك الأقليم, ونقل هذا إلى هؤلاء {وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها} كما قال تعالى: {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حباً فمنه يأكلون ـ إلى قوله ـ ومما لا يعلمون} {وبث فيها من كل دابة} أي على اختلاف أشكالها وألوانها ومنافعها وصغرها وكبرها, وهو يعلم ذلك كله ويرزقه, لا يخفى عليه شيء من ذلك, كما قال تعال: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين} {وتصريف الرياح} أي فتارة تأتي بالرحمة, وتارة تأتي بالعذاب, وتارة تأتي مبشرة بين يدي السحاب, وتارة تسوقه, وتارة تجمعه, وتارة تفرقه, وتارة تصرفه, ثم تارة تأتي من الجنوب وهي الشامية, وتارة تأتي من ناحية اليمن وتارة صبا, وهي الشرقية التي تصدم وجه الكعبة, وتارة دبوراً وهي غربية تنفذ من ناحية
 
 دبر الكعبة. وقد صنف الناس في الرياح والمطر والأنواء كتباً كثيرة فيما يتعلق بلغاتها وأحكامها, وبسط ذلك يطول ههنا, والله أعلم, {والسحاب المسخر بين السماء والأرض} أي سائر بين السماء والأرض, مسخر إلى ما يشاء الله من الأراضي والأماكن, كما يصرفه تعالى: {لاَيات لقوم يعقلون} أي في هذه الأشياء دلالات بينة على وحدانية الله تعالى, كما قال تعالى: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لاَيات لأولي الألباب * الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض, ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار}. وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: أخبرنا محمد بن أحمد بن إبراهيم, حدثنا أبو سعيد الدشتكي, حدثني أبي عن أبيه, عن أشعث بن إسحاق, عن جعفر بن أبي المغيرة, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: أتت قريش محمداً صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد, إنا نريد أن تدعو ربك أن يجعل لنا الصفا ذهباً فنشتري به الخيل والسلاح, فنؤمن بك ونقاتل معك, قال «أوثقوا لي لئن دعوت ربي فجعل لكم الصفا ذهباً لتؤمنن بي» فأوثقوا له, فدعا ربه, فأتاه جبريل فقال: إن ربك قد أعطاهم الصفا ذهباً على أنهم إن لم يؤمنوا بك عذبهم عذاباً لم يعذبه أحداً من العالمين, قال محمد صلى الله عليه وسلم «رب لا بل دعني وقومي فلأدعهم يوماً بيوم», فأنزل الله هذه الاَية: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس} الاَية, ورواه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن جعفر بن أبي المغيرة به, وزاد في آخره: وكيف يسألونك الصفا وهم يرون من الاَيات ما هو أعظم من الصفا ؟ وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا أبي, حدثنا أبو حذيفة, حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح, عن عطاء, قال: نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحين} فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد ؟ فأنزل الله تعالى: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس} إلى قوله: {لاَيات لقوم يعقلون} فبهذا يعلمون أنه إله واحد, وأنه إله كل شيء, وخالق كل شيء, 
 
و في ظلال ا القرأن بتصرف
 
وإلهكم إله واحد). . (لا إله إلا هو). . (الرحمن الرحيم). .
وحدة الألوهية هي القاعدة الكبيرة التي يقوم عليها التصور الإيماني . فلم يكنهناكجدل حول الاعتقاد بوجود إله - تختلف التصورات حول ذاته وحول صفاته وحولعلاقاتهبالخلق ولكنها لا تنفي وجوده - ولم يقع أن نسيت الفطرة هذه الحقيقة , حقيقةوجودإله , إلا في هذه الأيام الأخيرة حين نبتت نابتة منقطعة عن أصل الحياة ,منقطعةعن أصل الفطرة , تنكر وجود الله . وهي نابتة شاذة لا جذور لها في أصل هذاالوجود ; ومن ثم فمصيرها حتما إلى الفناء والاندثار من هذا الوجود . هذا الوجودالذيلا يطيق تكوينه , ولا تطيق فطرته بقاء هذا الصنف من الخلائق المقطوعة الجذور !
لذلكاتجه السياق القرآني دائما إلى الحديث عن وحدة الألوهية , بوصفها التصحيحالضروريللتصور
والقاعدةالأساسية لإقامة هذا التصور . . ثم لإقامة سائر القواعدالأخلاقيةوالنظم الاجتماعية , المنبثقة من هذا التصور . . تصور وحدة الألوهية فيهذاالوجود:
ومنوحدانية الألوهية التي يؤكدها هذا التأكيد , بشتى أساليب التوكيد , يتوحدالمعبودالذي يتجه إليه الخلق بالعبودية والطاعة ; وتتوحد الجهة التي يتلقى منهاالخلققواعد الأخلاق والسلوك ; ويتوحد المصدر الذي يتلقى منه الخلق أصول الشرائعوالقوانين ; ويتوحد المنهج الذي يصرف حياة الخلق في كل طريق .
وهناوالسياق يستهدف إعداد الأمة المسلمة لدورها العظيم في الأرض , يعيد ذكر هذهالحقيقةالتي تكرر ذكرها مرات ومرات في القرآن المكي , والتي ظل القرآن يعمق جذورهاويمدفي آفاقها حتى تشمل كل
 جوانب الحس والعقل , وكل جوانب الحياة والوجود . . .يعيدذكر هذه الحقيقة ليقيم على أساسها سائر التشريعات والتكاليف . . ثم يذكر منصفاتالله هنا: (الرحمن الرحيم). . فمن رحمته السابغة العميقة الدائمة تنبثق كلالتشريعاتوالتكاليف .
وهذاالكون كله شاهد بالوحدانية وبالرحمة في كل مجاليه:
(إن في خلق السماوات والأرض , واختلاف الليل والنهار , والفلك التي تجري فيالبحربما ينفع الناس , وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتهاوبثفيها من كل دابة , وتصريف الرياح , والسحاب المسخر بين السماء والأرض . . لآياتلقوميعقلون). .
وهذهالطريقة في تنبيه الحواس والمشاعر جديرة بأن تفتح العين والقلب على عجائبهذاالكون . العجائب التي تفقدنا الألفة جدتها وغرابتها وإيحاءاتها للقلب والحس ,وهيدعوة للإنسان أن يرتاد هذا الكون كالذي يراه أول مرة مفتوح العين , متوفز الحس , حي القلب . وكم في هذه المشاهد المكرورة من عجيب وكم فيها من غريب . وكم اختلجتالعيونوالقلوب وهي تطلع عليها أول مرة ; ثم الفتها ففقدت هزة المفاجأة , ودهشةالمباغتة , وروعة النظرة الأولى إلى هذا المهرجان العجيب .
تلكالسماوات والأرض . . هذه الأبعاد الهائلة والأجرام الضخمة والآفاق المسحورة , والعوالم المجهولة . . هذا التناسق في مواقعها وجريانها في ذلك الفضاء الهائلالذييدير الرؤوس . . هذه الأسرار التي توصوص للنفس وتلتف في رداء المجهول . . هذهالسماواتوالأرض حتى دون أن يعرف الإنسان شيئا عن حقيقة أبعادها وأحجامها وأسرارهاالتييكشف الله للبشر عن بعضها حينما تنمو مداركهم وتسعفهم أبحاث العلوم . .واختلافالليل والنهار . . تعاقب النور والظلام . . توالي الإشراق والعتمة . ذلكالفجروذلك الغروب . . كم اهتزت لها مشاعر , وكم وجفت لها قلوب , وكم كانت أعجوبةالأعاجيب . . ثم فقد الإنسان وهلتها وروعتها مع التكرار . إلا القلب المؤمن الذيتتجددفي حسه هذه المشاهد ; ويظل أبدا يذكر يد الله فيها فيتلقاها في كل مرة بروعةالخلقالجديد .
والفلكالتي تجري في البحر بما ينفع الناس . . وأشهد ما أحسست ما في هذه اللفتةمنعمق قدر ما أحسست ونقطة صغيرة في خضم المحيط تحملنا وتجري بنا , والموج المتلاطموالزرقةالمطلقة من حولنا . والفلك سابحة متناثرة هنا وهناك . ولا شيء إلا قدرةالله , وإلا رعاية الله , وإلا قانون الكون الذي جعله الله , يحمل تلك النقطةالصغيرةعلى ثبج الأمواج وخضمها الرعيب !
قال ابن سعدي في تفسيره  
يخبر تعالى - وهو أصدق القائلين - أنه { إِلَهٌ وَاحِدٌ } أي: متوحد منفرد في ذاته, وأسمائه, وصفاته, وأفعاله، فليس له شريك في ذاته, ولا سمي له ولا كفو له, ولا مثل, ولا نظير, ولا خالق, ولا مدبر غيره، فإذا كان كذلك, فهو المستحق لأن يؤله ويعبد بجميع أنواع العبادة, ولا يشرك به أحد من خلقه, لأنه { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } المتصف بالرحمة العظيمة, التي لا يماثلها رحمة أحد, فقد وسعت كل شيء وعمت كل حي، فبرحمته وجدت المخلوقات, وبرحمته حصلت لها أنواع الكمالات، وبرحمته اندفع عنها كل نقمة، وبرحمته عرّف عباده نفسه بصفاته وآلائه, وبيَّن لهم كل ما يحتاجون إليه من مصالح دينهم ودنياهم, بإرسال الرسل, وإنزال الكتب.
 
فإذا علم أن ما بالعباد من نعمة, فمن الله, وأن أحدا من المخلوقين, لا ينفع أحدا، علم أن الله هو المستحق لجميع أنواع العبادة, وأن يفرد بالمحبة والخوف, والرجاء, والتعظيم, والتوكل, وغير ذلك من أنواع الطاعات.
وأن من أظلم الظلم, وأقبح القبيح, أن يعدل عن عبادته إلى عبادة العبيد, وأن يشرك المخلوق  من تراب, برب الأرباب, أو يعبد المخلوق المدبر العاجز من جميع الوجوه, مع الخالق المدبر القادر القوي، الذي قد قهر كل شيء ودان له كل شيء.
ففي هذه الآية, إثبات وحدانية الباري وإلهيته، وتقريرها بنفيها عن غيره من المخلوقين وبيان أصل الدليل على ذلك وهو إثبات رحمته التي من آثارها وجود جميع النعم, واندفاع [جميع] النقم، فهذا دليل إجمالي على وحدانيته تعالى.
{ 164 } ثم ذكر الأدلة التفصيلية فقال: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }
أخبر تعالى أن في هذه المخلوقات العظيمة, آيات أي: أدلة على وحدانية الباري وإلهيته، وعظيم سلطانه ورحمته وسائر صفاته، ولكنها { لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } أي: لمن لهم عقول يعملونها فيما خلقت له، فعلى حسب ما منّ الله على عبده من العقل, ينتفع بالآيات ويعرفها بعقله وفكره وتدبُّره، ففي { خَلْقِ السَّمَاوَاتِ } في ارتفاعها واتساعها, وإحكامها, وإتقانها, وما جعل الله فيها من الشمس والقمر, والنجوم, وتنظيمها لمصالح العباد.
وفي خلق { الْأَرْضِ } مهادا للخلق, يمكنهم القرار عليها والانتفاع بما عليها, والاعتبار. ما يدل ذلك على انفراد الله تعالى بالخلق والتدبير, وبيان قدرته العظيمة التي بها خلقها, وحكمته التي بها أتقنها, وأحسنها ونظمها, وعلمه ورحمته التي بها أودع ما أودع, من منافع الخلق ومصالحهم, وضروراتهم وحاجاتهم. وفي ذلك أبلغ الدليل على كماله, واستحقاقه أن يفرد بالعبادة, لانفراده بالخلق والتدبير, والقيام بشئون عباده { و } في { اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } وهو تعاقبهما على الدوام, إذا ذهب أحدهما, خلفه الآخر، وفي اختلافهما في الحر, والبرد, والتوسط, وفي الطول, والقصر, والتوسط, وما ينشأ عن ذلك من الفصول, التي بها انتظام مصالح بني آدم وحيواناتهم, وجميع ما على وجه الأرض, من أشجار ونوابت، كل ذلك بانتظام وتدبير, وتسخير, تنبهر له العقول, وتعجز عن إدراكه من الرجال الفحول, ما يدل ذلك على قدرة مصرفها, وعلمه وحكمته, ورحمته الواسعة, ولطفه الشامل, وتصريفه وتدبيره, الذي تفرد به, وعظمته, وعظمة ملكه وسلطانه, مما يوجب أن يؤله ويعبد, ويفرد بالمحبة والتعظيم, والخوف والرجاء, وبذل الجهد في محابه ومراضيه.
{ و } في { وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ } وهي السفن والمراكب ونحوها, مما ألهم الله عباده صنعتها, وخلق لهم من الآلات الداخلية والخارجية ما أقدرهم عليها.
ثم سخر لها هذا البحر العظيم والرياح, التي تحملها بما فيها من الركاب والأموال, والبضائع التي هي من منافع الناس, وبما تقوم به مصالحهم وتنتظم معايشهم.
فمن الذي ألهمهم صنعتها, وأقدرهم عليها, وخلق لهم من الآلات ما به يعملونها؟ أم من الذي سخر لها البحر, تجري فيه بإذنه وتسخيره, والرياح؟ أم من الذي خلق للمراكب البرية والبحرية, النار والمعادن المعينة على حملها, وحمل ما فيها من الأموال؟ فهل هذه الأمور, حصلت اتفاقا,
أم استقل بعملها هذا المخلوق الضعيف العاجز, الذي خرج من بطن أمه, لا علم له ولا قدرة، ثم خلق له ربه القدرة, وعلمه ما يشاء تعليمه، أم المسخر لذلك رب واحد, حكيم عليم, لا يعجزه شيء, ولا يمتنع عليه شيء؟ بل الأشياء قد دانت لربوبيته, واستكانت لعظمته, وخضعت لجبروته.
{ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ } وهو المطر النازل من السحاب.
{ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } فأظهرت من أنواع الأقوات, وأصناف النبات, ما هو من ضرورات الخلائق, التي لا يعيشون بدونها.
أليس ذلك دليلا على قدرة من أنزله, وأخرج به ما أخرج ورحمته, ولطفه بعباده, وقيامه بمصالحهم, وشدة افتقارهم وضرورتهم إليه من كل وجه؟ أما يوجب ذلك أن يكون هو معبودهم وإلههم؟ أليس ذلك دليلا على إحياء الموتى ومجازاتهم بأعمالهم؟ { وَبَثَّ فِيهَا } أي: في الأرض { مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ } أي: نشر في أقطار الأرض من الدواب المتنوعة, ما هو دليل على قدرته وعظمته, ووحدانيته وسلطانه العظيم، وسخرها للناس, ينتفعون بها بجميع وجوه الانتفاع.
فمنها: ما يأكلون من لحمه, ويشربون من دره، ومنها: ما يركبون، ومنها: ما هو ساع في مصالحهم وحراستهم, ومنها: ما يعتبر به، ومع  أنه بث فيها من كل دابة، فإنه سبحانه هو القائم بأرزاقهم, المتكفل بأقواتهم، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها, ويعلم مستقرها ومستودعها.
وفي { تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ } باردة وحارة, وجنوبا وشمالا, وشرقا ودبورا وبين ذلك، وتارة تثير السحاب, وتارة تؤلف بينه, وتارة تلقحه, وتارة تدره, وتارة تمزقه وتزيل ضرره, وتارة تكون رحمة, وتارة ترسل بالعذاب.
فمن الذي صرفها هذا التصريف, وأودع فيها من منافع العباد, ما لا يستغنون عنه؟ وسخرها ليعيش فيها جميع الحيوانات, وتصلح الأبدان والأشجار, والحبوب والنوابت, إلا العزيز الحكيم الرحيم, اللطيف بعباده المستحق لكل ذل وخضوع, ومحبة وإنابة وعبادة؟.
وفي تسخير السحاب بين السماء والأرض على خفته ولطافته يحمل الماء الكثير, فيسوقه الله إلى حيث شاء، فيحيي به البلاد والعباد, ويروي التلول والوهاد, وينزله على الخلق وقت حاجتهم إليه، فإذا كان يضرهم كثرته, أمسكه عنهم, فينزله رحمة ولطفا, ويصرفه عناية وعطفا، فما أعظم سلطانه, وأغزر إحسانه, وألطف امتنانه"
أليس من القبيح بالعباد, أن يتمتعوا برزقه, ويعيشوا ببره وهم يستعينون بذلك على مساخطه ومعاصيه؟ أليس ذلك دليلا على حلمه وصبره, وعفوه وصفحه, وعميم لطفه؟
فله الحمد أولا وآخرا, وباطنا وظاهرا.
 
 
 
 
 
 
 
 
00النفحة الرابعة
  
{254} اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ{255} لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{256}
اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ{257
 
أخي المسلم الحبيب ثم تأمل معي هذه النفحة وتذوق حلاوتها بأحاسيسك ووجدانك كرر قرأتها وتأمل معانيها وأهدافها وركز بفهم ماذا قال عنها بعض المفسرين وأصحاب الخواطرالايمانية 0 هنا ستدرك لماذا اخترت هذه النفحة  
 
تفسير الإمام جلال الدين السيوطي 
 
الله لا إله) أي لا معبود بحق في الوجود (إلا هو الحي) الدائم بالبقاء (القيوم) المبالغ في القيام بتدبير خلقه (لا تأخذه سِنةٌ) نعاس (ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض) ملكا وخلقا وعبيدا (من ذا الذي) أي لا أحد (يشفع عنده إلا بإذنه) له فيها (يعلم مابين أيديهم) أي الخلق (وما خلفهم) أي من أمر الدنيا والآخرة (ولا يحيطون بشيء من علمه) أي لا يعلمون شيئا من معلوماته (إلا بما شاء) أن يعلمهم به منها بإخبار الرسل (وسع كرسيه السماواتِ والأرضَ) قيل أحاط علمه بهما وقيل الكرسي نفسه مشتمل عليهما لعظمته ، لحديث: "ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس". (ولا يؤوده) يثقله (حفظهما) أي السماوات والأرض (وهو العلي) فوق خلقه بالقهر (العظيم) الكبير
 
قال ابن كثير   في تفسيرة   بتصرف
 
وهذه الاَية مشتملة على عشر جمل مستقلة
 فقوله {الله لا إله إلا هو} إخبار بأنه المتفرد بالإلهية لجميع الخلائق {الحي القيوم} أي الحي في نفسه الذي لا يموت أبداً, القيم لغيره. وكان عمر يقرأ القيام, فجميع الموجودات مفتقرة إليه, وهو غني عنها, لا قوام لها بدون أمره, كقوله {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} وقوله {لا تأخذه سنة ولا نوم} أي لايعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه, بل هو قائم على كل نفس بما كسبت, شهيد على كل شيء, لا يغيب عنه شيء, ولا يخفى عليه خافية, ومن تمام القيومية أنه لا يعتريه سنة ولا نوم, فقوله {لا تأخذه} أي لا تغلبه سنة وهي الوسن والنعاس, ولهذا قال: ولا نوم لأنه أقوى من السنة. وفي الصحيح عن أبي موسىَ, قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات, فقال «إن الله لا ينام, ولا ينبغي له أن ينام, يخفض القسط ويرفعه, يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل, وعمل الليل قبل عمل النهار, حجابه النور أو النار, لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» .
وقوله {له ما في السموات وما في الأرض} إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه, وتحت قهره وسلطانه, كقوله {إن كل من في السموات والأرض إلا آتى الرحمن عبداً * لقد أحصاهم وعدهم عداً * وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً}.
 
 
 وقوله {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} كقوله {وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} وكقوله {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه عز وجل, أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة, كما في حديث الشفاعة: «آتي تحت العرش فأخر ساجداً, فيدعني ما شاء الله أن يدعني. ثم يقال: ارفع رأسك وقل تسمع واشفع تشفع ـ قال ـ فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة».
 وقوله: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات, ماضيها وحاضرها ومستقبلها, كقوله إخباراً عن الملائكة {وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا, وما بين ذلك, وما كان ربك نسيا}.
 وقوله: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} أي لا يطلع أحد من علم الله على شيء إلا بما أعلمه الله عز وجل وأطلعه عليه. ويحتمل أن يكون المراد لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفاته, إلا بما أطلعهم الله عليه, كقوله: {ولا يحيطون به علماً}.
 وقوله: {وسع كرسيه السموات والأرض}, قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج, حدثنا ابن إدريس عن مطرف بن طريف, عن جعفر بن أبي المغيرة, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, في قوله: {وسع كرسيه السموات والأرض} قال: علمه, وكذا رواه ابن جرير من حديث عبد الله بن إدريسوهشيم, كلاهما عن مطرف بن طريف به, قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير مثله, ثم قال ابن جرير: وقال آخرون الكرسي موضع القدمين, ثم رواه عن أبي موسى والسدي والضحاك ومسلم البطين. وقال شجاع بن مخلد في تفسيره: أخبرنا أبو عاصم, عن سفيان, عن عمار الذهبي, عن مسلم البطين, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل {وسع كرسيه السموات والأرض} ؟. وقال الضحاك عن ابن عباس: لو أن السموات السبع والأرضين السبع, بسطن ثم وصلن بعضهن إلى بعض, ما كن في سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المفازة, ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم, وقال ابن جرير: حدثني يونس, أخبرني ابن وهب قال: قال ابن زيد: حدثني أبي قال: قال رسول الله «ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس» قال: وقال أبو ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهراني فلاة من الأرض».
 عن أبي ذر الغفاري, أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكرسي, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي, إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة, وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة وقوله: {ولا يؤده حفظهما} أي لا يثقله ولا يكرثه حفظ السموات والأرض, ومن فيهما, ومن بينهما, بل ذلك سهل عليه, يسير لديه, وهو القائم على كل نفس بما كسبت, الرقيب على جميع الأشياء, فلا يعزب عنه شيء ولا يغيب عنه شيء, والأشياء كلها حقيرة بين يديه, الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون, وهو القاهر لكل شيء, الحسيب على كل شيء, الرقيب العلي العظيم, لا إله غيره, ولا رب سواه, فقوله: {وهو العلي العظيم} كقوله: {وهو الكبير المتعال} وهذه الاَيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح الأجود فيها طريقة السلف الصالح, أمروها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه.
 
** لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ قَد تّبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الْغَيّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
   يقول تعالى: {لا إكراه في الدين} أي لا تكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام, فإنه بيّن واضح, جلي دلائله وبراهينه, لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه, بل من هداه الله للإسلام, وشرح صدره, ونور
 
 بصيرته, دخل فيه علي بينة, ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره, فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهاً مقسوراً, وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الاَية في قوم من الأنصار, وإن كان حكمها عاماً. 
 
 
,الشوكاني
قوله: 255- "الله لا إله إلا هو" أي لا معبود بحق إلا هو، وهذه الجملة خبر المبتدأ. والحي: الباقي، وقيل: الذي لا يزول ولا يحول، وقيل: المصرف للأمور والمقدر للأشياء والقيوم القائم على كل نفس بما كسبت، وقيل: القائم بذاته المقيم لغيره، وقيل: القائم بتدبير الخلق وحفظه، وقيل: هو الذي لا ينام، وقيل: الذي لا بديل له والسنة: النعاس في قول الجمهور، والنعاس: ما يتقدم النوم من الفتور وانطباق العينين، فإذا صار في القلب صار نوماً. وفرق المفصل بين السنة والنعاس والنوم فقال: السنة من الرأس، والنعاس في العين، والنوم في القلب انتهى. والذي ينبغي التعويل عليه في الفرق بين السنة والنوم أن السنة لا يفقد معها العقل، بخلاف النوم فإنه استرخاء أعضاء الدماغ من رطوبات الأبخرة حتى يفقد معه العقل، بل وجميع الإدراكات بسائر المشاعر، والمراد أنه لا يعتريه سبحانه شيء منهما، وقدم السنة على النوم، لكونها تتقدمه في الوجود. قال الرازي في تفسيره: إن السنة ما تتقدم النوم، فإذا كانت عبارة عن مقدمة النوم، فإذا قيل: لا تأخذه سنة دل على أنه لا يأخذه نوم بطريق الأولى، فكان ذكر النوم تكراراً، قلنا: تقدير الآية لا تأخذه سنة فضلاً عن أن يأخذه نوم، والله أعلم بمراده انتهى. وأقول: إن هذه الأولولية التي ذكرها غير مسلمة، فإن النوم قد يرد ابتداء من دون ما ذكر من النعاس. وإذا ورد على القلب والعين دفعة واحدة فإنه قال له نوم، ولا يقال له سنة، فلا يستلزم نفي السنة نفي النوم . قوله: "من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه" في هذا الاستفهام من الإنكار على من يزعم أن أحداً من عباده يقدر على أن ينفع أحداً منهم بشفاعة أو غيرها والتقريع والتوبيخ له ما لا مزيد عليه، وفيه من الدفع في صدور عباد القبور والصد في وجوههم والفت في أعضادهم ما لا يقادر قدره ولا يبلغ مداه، والذي يستفاد منه فوق ما يستفاد من قوله تعالى: "ولا يشفعون إلا لمن ارتضى" وقوله تعالى: "وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى" وقوله تعالى: "لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن" بدرجات كثيرة. وقد بينت الأحاديث الصحيحة الثابتة في دواوين الإسلام صفة الشفاعة، ولمن هي، ومن يقوم بها. قوله: "يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم" الضميران لما في السموات والأرض بتغليب العقلاء على غيرهم، وما بين أيديهم وما خلفهم عبارة عن المتقدم عليهم والمتأخر عنهم، أو عن الدنيا والآخرة وما فيهما. قوله: "ولا يحيطون بشيء من علمه" قد تقدم معنى الإحاطة، والعلم هنا بمعنى المعلوم: أي لا يحيطون بشيء من معلوماته. قوله: "وسع كرسيه" الكرسي الظاهر أنه الجسم الذي وردت الآثار بصفته كما سيأتي بيان ذلك. وقد نفى وجوده جماعة من المعتزلة، وأخطئوا في ذلك خطأ بيناً، وغلطوا غلطاً فاحشاً. وقال بعض السلف: إن الكرسي هنا عبارة عن العلم. قالوا: ومنه قيل للعلماء الكراسي، ومنه الكراسة التي يجمع فيها العلم، ومنه قول الشاعر: تحف بهم بيض الوجوه وعصبة كراسي بالأخبار حين تنوب ورجح هذا القول ابن جرير الطبري، وقيل كرسيه: قدرته التي يمسك بها السموات والأرض، كما يقال: اجعل لهذا الحائط كرسياً: أي ما يعمده، وقيل: إن الكرسي هو العرش، وقيل: هو تصوير لعظمته ولا حقيقة له، وقيل: هو عبارة عن الملك. والحق القول الأول، ولا وجه للعدول عن المعنى الحقيقي إلا مجرد خيالات تسببت عن جهالات وضلالات، والمراد بكونه وسع السموات والأرض أنها صارت فيه وأنه وسعها ولم يضق عنها لكونه بسيطاً واسعاً. وقوله: "ولا يؤوده حفظهما" معناه لا يثقله ثقالة أدنى الشيء، بمعنى أثقلني وتحملت منه مشقة. وقال الزجاج: يجوز أن يكون الضمير في قوله: "يؤوده" لله سبحانه، ويجوز أن يكون للكرسي لأنه من أمر الله " العلي " يراد به علو القدرة والمنزلة. وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا: هو العلي عن خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه. قال ابن عطية: وهذه أقوال جهلة مجسمين، وكان الواجب أن لا تحكى انتهى.   قال في الكشاف: إن الجملة الأولى بيان لقيامه بتدبير الخلق وكونه مهيمناً عليه غير ساه عنه. والثانية بيان لكونه مالكاً لما يدبره. والجملة الثالثة بيان لكبرياء شأنه. والجملة الرابعة بيان لإحاطته بأحوال الخلق وعلمه بالمرتضى منهم المستوجب للشفاعة وغير المرتضى. والجملة الخامسة بيان لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها، أو لجلاله وعظم قدره. وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم في قوله: "الحي" أي حي لا يموت " القيوم " القائم الذي لا بديل له وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: "يعلم ما بين أيديهم" قال: ما مضى من الدنيا "وما خلفهم" من الآخرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس "ما بين أيديهم" ما قدموا من أعمالهم "وما خلفهم" ما أضاعوا من أعمالهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: "وسع كرسيه" قال: علمه، ألا ترى إلى قوله: "ولا يؤوده حفظهما". وأخرج الدارقطني في الصفات والخطيب في تاريخه عنه قال: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله "وسع كرسيه" قال: كرسيه موضع قدمه، والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل". ". . واعلم أنه قد ورد في فضل هذه الآية أحاديث. فأخرج أحمد ومسلم واللفظ له عن أبي بن كعب "أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله أي آية من كتاب الله أعظم؟ قال: آية الكرسي، قال: ليهنك العلم أبا المنذر". ".   وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أعظم آية في كتاب الله- الله لا إله إلا هو الحي القيوم". وأخرج نحوه أحمد والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي ذر مرفوعاً. وأخرج نحوه أيضاً أحمد والطبراني من حديث أبي أمامة مرفوعاً.. وأخرج أبو داود والترمذي وصححه من حديث أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هاتين الآيتين: "الله لا إله إلا هو الحي القيوم"، و" الم * الله لا إله إلا هو " إن فيهما اسم الله الأعظم. وقد وردت أحاديث في فضلها غير هذه، وورد أيضاً في فضل قراءتها دبر الصلوات وفي غير ذلك، وورد أيضاً في فضلها مع مشاركة غيرها لها أحاديث، وورد عن السلف في ذلك شيء كثير.
 
و في ظلال ا القرأن بتصرف
(الله لا إله إلا هو). .
 هذهالوحدانية الحاسمة الناصعة هي القاعدة التي يقوم عليها التصور الإسلامي ;والتيينبثق منها منهج الإسلام للحياة كلها . فعن هذا التصور ينشأ الاتجاه إلى اللهوحدهبالعبودية والعبادة . فلا يكون إنسان عبدا إلا لله , ولا يتجه بالعبادة إلالله , ولا يلتزم بطاعة إلا طاعة الله , وما يأمره الله به من الطاعات . وعن هذاالتصورتنشأ قاعدة:الحاكمية لله وحده . فيكون الله وحده هو المشرع للعباد ; ويجيءتشريعالبشر مستمدا من شريعة الله . وعن هذا التصور تنشأ قاعدة استمداد القيم كلهامنالله ; فلا اعتبار لقيمة من قيم الحياة كلها إذا لم تقبل في ميزان الله , ولاشرعيةلوضع أو تقليد أو تنظيم يخالف عن منهج الله . . وهكذا إلىآخرماينبثق عن معنى الوحدانية من مشاعر في الضميرأومناهج لحياة الناس في الأرض على السواء .
(الحي القيوم). .
والحياةالتي يوصف بها الإله الواحد هي الحياة الذاتية التي لم تأت من مصدر آخركحياةالخلائق المكسوبة الموهوبة لها من الخالق . ومن ثم يتفرد الله - سبحانه -بالحياةعلى هذا المعنى . كما أنها هي الحياة الأزلية الأبدية التي لا تبدأ من مبدأولاتنتهي إلى نهاية , فهي متجردة عن معنى الزمان المصاحب لحياة الخلائق المكتسبةالمحددةالبدء والنهاية . 
أماصفة(القيوم). . فتعني قيامه - سبحانه - على كل موجود . كما تعني قيام كلموجودبه فلا قيام لشيء إلا مرتكنا إلى وجوده وتدبيره . . لا كما كان أكبر فلاسفةالإغريق - أرسطو - يتصور أن الله لا يفكر في شيء من مخلوقاته , لأنه تعالى  لا يفكرفيغير ذاته ! ويحسب أن في هذا التصور تنزيها لله وتعظيما ; وهو يقطع الصلة بينهوبينهذا الوجود الذي خلقه . . وتركه . . فالتصور الإسلامي تصور إيجابي لا سلبي .يقومعلى أساس أن الله - سبحانه - قائم على كل شيء , وأن كل شيء قائم في وجوده علىإرادةالله وتدبيره . . ومن ثم يظل ضمير المسلم وحياته ووجوده ووجود كل شيء من حوله 
 
 
مرتبطابالله الواحد ; الذي يصرف أمره وأمر كل شيء حوله , وفق حكمة وتدبير , فيلتزمالإنسانفي حياته بالمنهج المرسوم القائم على الحكمة والتدبير ; ويستمد منه قيمهوموازينه , ويراقبه وهو يستخدم هذه القيم والموازين .
(لا تأخذه سنة ولا نوم). .
وهذاتوكيد لقيامه - سبحانه - على كل شيء , وقيام كل شيء به . ولكنه توكيد فيصورةتعبيرية تقرب للإدراك البشري صورة القيام الدائم . في الوقت الذي تعبر فيه هذهالصورةعن الحقيقة الواقعة من مخالفة الله - سبحانه - لكل شيء . . (ليس كمثله شيء). . وهي تتضمن نفي السنة الخفيفة أو النوم المستغرق , وتنزهه - سبحانه - عنهما إطلاقا . .
وحقيقةالقيام على هذا الوجود بكلياته وجزئياته في كل وقت وفي كل حالة . . حقيقةهائلةحين يحاول الإنسان تصورها , وحين يسبح بخياله المحدود مع ما لا يحصيه عد منالذراتوالخلايا والخلائق والأشياء والأحداث في هذا الكون الهائل ; ويتصور - بقدرمايملك - قيام الله - سبحانه - عليها ; وتعلقها في قيامها بالله وتدبيره . . إنهأمر . . أمر لا يتصوره الإدراك الإنساني . وما يتصوره منه - وهو يسير - هائل يديرالرؤوس . ويحير العقول , وتطمئن به القلوب . .
(له ما في السماوات وما في الأرض). .
فهيالملكية الشاملة . كما أنها هي الملكية المطلقة . . الملكية التي لا يردعليهاقيد ولا شرط ولا فوت ولا شركة . وهي مفهوم من مفاهيم الألوهية الواحدة .فاللهالواحد هو الحي الواحد , القيوم الواحد , المالك الواحد وهي نفي للشركة فيصورتهاالتي ترد على أذهان الناس ومداركهم 
 (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ?). .
وهذهصفة أخرى من صفات الله ; توضح مقام الألوهية ومقام العبودية . . فالعبيدجميعايقفون في حضرة الألوهية موقف العبودية ; لا يتعدونه ولا يتجاوزونه , يقفون فيمقامالعبد الخاشع الخاضع ; الذي لا يقدم بين يدي ربه ; ولا يجرؤ على الشفاعة عنده , إلا بعد أن يؤذن له , فيخضع للإذن ويشفع في حدوده . . وهم يتفاضلون فيما بينهم ,ويتفاضلونفي ميزان الله . ولكنهم يقفون عند الحد الذي لا يتجاوزه عبد . .
إنهالإيحاء بالجلال والرهبة في ظل الألوهية الجليلة العلية . يزيد هذا الإيحاءعمقاصيغة الاستفهام الاستنكارية ; التي توحي بأن هذا أمر لا يكون ; وأنه مستنكر أنيكون . فمن هو هذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ? وفي ظل هذه الحقيقة تبدو سائرالتصوراتالمنحرفة للذين جاءوا من بعد الرسل فخلطوا بين حقيقة الألوهية وحقيقةالعبودية , فزعموا لله - سبحانه - خليطا يمازجه أو يشاركه بالبنوة أو بغيرها منالصورفي
 أي شكل وفي أي تصور , أو زعموا له - سبحانه - اندادا يشفعون عنده فيستجيبلهمحتما . أو زعموا له - سبحانه - من البشر خلفاء يستمدون سلطانهم من قرابتهم له . .  
فأماصلة العبد بالرب , ورحمة الرب للعبد , والقربى والود والمدد . . فالإسلاميقررهاويسكبها في النفس سكبا ; ويملأ بها قلب المؤمن ويفيضها عليه فيضا ; ويدعهيعيشفي ظلالها الندية الحلوة . دون ما حاجة إلى خلط طبيعة الألوهية وطبيعةالعبودية . ودون ما حاجة إلى الغبش والركام والزغللة والاضطراب الذي لا تتبين فيهصورةواحدة واضحة ولا ناصعة ولا محددة !
(يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم , ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء). .
وهذهالحقيقة بطرفيها تساهم كذلك في تعريف المسلم بإلهه , وفي تحديد مقامه هو منإلهه . فالله يعلم ما بين أيدي الناس وما خلفهم . وهو تعبير عن العلم الشامل الكاملالمستقصيلكل ما حولهم . فهو يشمل حاضرهم الذي بين أيديهم ; ويشمل غيبهم الذي كانومضىوالذي سيكون وهو عنهم محجوب . كذلك هو يشمل ما يعلمونه من الأمور وما يجهلونهفيكل وقت . وهو على العموم تعبير لغوي يفيد شمول العلم وتقصيه . . أما هم فلايعلمونشيئا إلا ما يأذن لهم الله أن يعلموه . .
وشطرالحقيقة الأول . . علم الله الشامل بما بين أيديهم وما خلفهم . . من شأنهأنيحدث في النفس رجة وهزة . النفس التي تقف عارية في كل لحظة أمام بارئها الذييعلمما بين يديها وما خلفها . يعلم ما تضمر علمه بما تجهر . ويعلم ما تعلم علمهبماتجهل . ويعلم ما يحيط بها من ماض وآت مما لا تعلمه هي ولا تدريه . . شعور النفسبهذاخليق بأن يحدث فيها هزة الذي يقف عريانا بكل ما في سريرته أمام الديان ; كماأنهخليق بأن يسكب في القلب الاستسلام لمن يعرف ظاهر كل شيء وخافيه
وشطرالحقيقة الثاني . . أن الناس لا يعلمون إلا ما شاء الله لهم أن يعلموه . .جديربأن يتدبره الناس طويلا . وبخاصة في هذه الأيام التي يفتنون فيها بالعلم فيجانبمن جوانب الكون والحياة .
(ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء). .
إنه - سبحانه - هو الذي يعلم وحده كل شيء علما مطلقا شاملا كاملا . وهو - سبحانه - يتأذن فيكشف للعباد بقدر عن شيء من علمه ; تصديقا لوعده الحق: (سنريهم آياتنا فيالآفاقوفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق). . ولكنهم هم ينسون هذه الحقيقة ;ويفتنهمما يأذن الله لهم فيه من علمه . سواء كان هذا الذي أذن لهم فيه علم شيء مننواميسالكون وقوانينه ; أو رؤية شيء من غيبه في لحظة عابرة وإلى حد معين . .يفتنهمهذا كما يفتنهم ذاك ; فينسون الإإذن الأول الذي منحهم الإحاطة بهذا العلم .فلايذكرون ولا يشكرون . بل يتبجحون وقد يكفرون .
إنالله سبحانه وهب الإنسان المعرفة مذ أراد إسناد الخلافة في الأرض إليه .ووعدهأن يريه آياته في الآفاق وفي الأنفس ووعده الحق . وصدقه وعده فكشف له يومابعديوم , وجيلا بعد جيل , في خط يكاد يكون صاعدا أبدا , عن بعض القوى والطاقاتوالقوانينالكونية التي تلزم له في خلافة الأرض , ليصل بها إلى أقصى الكمال المقدرلهفي هذه الرحلة المرسومة .
وبقدرما أذن الله للإنسان في علم هذا الجانب وكشف له عنه , بقدر ما زوى عنهأسراراأخرى لا حاجة له بها في الخلافة . . زوى عنه سر الحياة وما يزال هذا السرخافيا , وما يزال عصيا , وما يزال البحث فيه خبطا في التيه بلا دليل ! وزوى عنه سراللحظةالقادمة . فهي غيب لا سبيل إليه . والستر المسدل دونها كثيف لا تجدي محاولةالإنسانفي رفعه . . وأحيانا تومض من وراء الستر ومضة لقلب مفرد بإذن من الله خاص ;ثميسدل الستر ويسود السكون ; ويقف الإنسان عند حده لا يتعداه !
ومعذلك يفتن الإنسان بذلك الطرف من العلم , الذي أحاط به بعد الأذن . يفتنفيحسبنفسه في الأرض إلها ! ويكفر فينكر أن لهذا الكون إلها ! وإن يكن هذا القرنالعشرونقد بدأ يرد العلماء حقا إلى التواضعوالتطامن . فقدبدأوايعلمون أنهم لم يؤتوا من العلم إلا قليلا ! وبقي الجهال المتعالمون الذينيحسبونأنهم قد علموا شيئا كثيرا !
(وسع كرسيه السماوات والأرض , ولا يؤوده حفظهما). .
وقدجاء التعبير في هذه الصورة الحسية في موضع التجريد المطلق ; على طريقةالقرآنفي التعبير التصويري , لأن الصورة هنا تمنح الحقيقة المراد تمثيلها للقلبقوةوعمقا وثباتا . فالكرسي يستخدم عادة في معنى الملك . فإذا وسع كرسيه السماواتوالأرضفقد وسعهما سلطانه . وهذه هي الحقيقة من الناحية الذهنية . ولكن الصورة التيترتسمفي الحس من التعبير بالمحسوس أثبت وأمكن . وكذلك التعبير بقوله: (ولا يؤودهحفظهما)فهو كناية عن القدرة الكاملة . ولكنه يجيء في هذه الصورة المحسوسة . صورةانعدامالجهد والكلال . لأن التعبير القرآني يتجه إلى رسم صور للمعاني تجسمها للحس , فتكون فيه أوقع وأعمق وأحس .
 وهو العلي العظيم). .وهذهخاتمة الصفات في الآية , تقرر حقيقة , وتوحي للنفس بهذه الحقيقة . وتفرداللهسبحانه بالعلو , وتفرده سبحانه بالعظمة . فالتعبير على هذا النحو يتضمن معنىالقصروالحصر . فلم يقل وهو علي عظيم , ليثبت الصفة مجرد إثبات . ولكنه قال: (العليالعظيم)ليقصرها عليه سبحانه بلا شريك !
إنهالمتفرد بالعلو , المتفرد بالعظمة . وما يتطاول أحد من العبيد إلى هذاالمقامإلا ويرده الله إلى الخفض والهون ; وإلى العذاب في الآخرة والهوان . وهويقول: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا). . ويقولعنفرعون في معرض الهلاك: إنه كان عاليا . .
 لا إكراه في الدين . قد تبين الرشد من الغي . فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن باللهفقداستمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها . والله سميع عليم . الله ولي الذين آمنوايخرجهممن الظلمات إلى النور ; والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النورإلىالظلمات . أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون).
 
(لا إكراه في الدين . قد تبين الرشد من الغي). .  وفيهذا المبدأ يتجلى تكريم الله للإنسان ; واحترام إرادته وفكره ومشاعره ; وتركأمرهلنفسه فيما يختص بالهدى والضلال في الاعتقاد وتحميله تبعة عمله وحساب نفسه . .وهذههي أخص خصائص التحرر الإنساني . . التحرر الذي تنكره على الإنسان في القرنالعشرينمذاهب معتسفة ونظم مذلة ; لا تسمح لهذا الكائن الذي كرمه الله - باختيارهلعقيدته - أن ينطوي ضميره على تصور للحياة ونظمها غير ما تمليه عليه الدولة بشتىأجهزتهاالتوجيهية , وما تمليه عليه بعد ذلك بقوانينها وأوضاعها ; فإما أن يعتنقمذهبالدولة هذا - وهو يحرمه من الإيمان باله للكون يصرف هذا الكون - وإما أن يتعرضللموتبشتى الوسائل والأسباب !
إنحرية الاعتقاد هي أول حقوق "الإنسان" التي يثبت له بها وصف "إنسان" . فالذييسلبإنسانا حرية الاعتقاد , إنما يسلبه إنسانيته ابتداء . . ومع حرية الاعتقادحريةالدعوة للعقيدة , والأمن من الأذى والفتنة . . وإلا فهي حرية بالاسم لا مدلوللهافي واقع الحياة .
والإسلام - وهو أرقى تصور للوجود وللحياة , وأقوم منهج للمجتمع الإنساني بلامراء - هو الذي ينادي بأن لا إكراه في الدين ; وهو الذي يبين لأصحابه قبل سواهمأنهمممنوعون من إكراه الناس على هذا الدين . . فكيف بالمذاهب والنظم الأرضيةالقاصرةالمعتسفة وهي تفرض فرضا بسلطان الدولة ; ولا يسمح لمن يخالفها بالحياة ?!
والتعبيرهنا يرد في صورة النفي المطلق: (لا إكراه في الدين). . نفي الجنس كمايقولالنحويون . . أي نفي جنس الإكراه . نفي كونه ابتداء . فهو يستبعده من عالمالوجودوالوقوع . وليس مجرد نهي عن مزاولته . والنهي في صورة النفي - والنفي للجنس - أعمق إيقاعا وآكد دلالة .
ولايزيد السياق على أن يلمس الضمير البشري لمسة توقظه , وتشوقه إلى الهدى ,وتهديهإلى الطريق ,وتبينحقيقة الإيمان التي اعلن أنها أصبحتواضحةوهو يقول:
(قد تبين الرشد من الغي). .
فالإيمانهو الرشد الذي ينبغي للإنسان أن يتوخاه ويحرص عليه . والكفر هو الغيالذيينبغي للإنسان أن ينفر منه ويتقي أن يوصم به .
ثميزيد حقيقة الإيمان إيضاحا وتحديدا وبيانا:
(فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها). .
إنالكفر ينبغي أن يوجه إلى ما يستحق الكفر , وهو(الطاغوت). وإن الإيمان يجب أنيتجهإلى من يجدر الإيمان به وهو(الله).
والطاغوتصيغة من الطغيان , تفيد كل ما يطغى على الوعي , ويجور على الحق ,ويتجاوزالحدود التي رسمها الله للعباد , ولا يكون له ضابط من العقيدة في الله ,ومنالشريعة التي يسنها الله , ومنه كل منهج غير مستمد من الله , وكل تصور أو وضعأوأدب أو تقليد لا يستمد من الله . فمن يكفر بهذا كله في كل صورة من صوره ويؤمنباللهوحده ويستمد من الله وحده فقد نجا . . وتتمثل نجاته في استمساكه بالعروةالوثقىلا انفصام لها .
وهنانجدنا أمام صورة حسية لحقيقة شعورية , ولحقيقة معنوية . . إن الإيمان باللهعروةوثيقة لا تنفصم أبدا . . إنها متينة لا تنقطع . . ولا يضل الممسك بها طريقالنجاة . . إنها موصولة بمالك الهلاك والنجاة . . والإيمان في حقيقته اهتداء إلىالحقيقةالأولى التي تقوم بها سائر الحقائق في هذا الوجود . . حقيقة الله . .واهتداءإلى حقيقة الناموس الذي سنه الله لهذا الوجود , وقام به هذا الوجود . والذييمسكبعروته يمضي على هدى إلى ربه ; فلا يرتطم ولا يتخلف ولا تتفرق به السبل ولايذهببه الشرود والضلال .
(والله سميع عليم). .
يسمعمنطق الألسنة , ويعلم مكنون القلوب . فالمؤمن الموصول به لا يبخس ولا يظلمولايخيب .
  قال ابن سعدي عن هذه النفحة  
هذه الآية الكريمة أعظم آيات القرآن وأفضلها وأجلها، وذلك لما اشتملت عليه من الأمور العظيمة والصفات الكريمة، فلهذا كثرت الأحاديث في الترغيب في قراءتها وجعلها وردا للإنسان في أوقاته صباحا ومساء وعند نومه وأدبار الصلوات المكتوبات، فأخبر تعالى عن نفسه الكريمة بأن { لا إله إلا هو } أي: لا معبود بحق سواه، فهو الإله الحق الذي تتعين أن تكون جميع أنواع العبادة والطاعة والتأله له تعالى، لكماله وكمال صفاته وعظيم نعمه، ولكون العبد مستحقا أن يكون عبدا لربه، ممتثلا أوامره مجتنبا نواهيه،
 
 
وكل ما سوى الله تعالى باطل، فعبادة ما سواه باطلة، لكون ما سوى الله مخلوقا ناقصا مدبرا فقيرا من جميع الوجوه، فلم يستحق شيئا من أنواع العبادة، وقوله: { الحي القيوم } هذان الاسمان الكريمان يدلان على سائر الأسماء الحسنى دلالة مطابقة وتضمنا ولزوما، فالحي من له الحياة الكاملة المستلزمة لجميع صفات الذات، كالسمع والبصر والعلم والقدرة، ونحو ذلك، والقيوم: هو الذي قام بنفسه وقام بغيره، وذلك مستلزم لجميع الأفعال التي اتصف بها رب العالمين من فعله ما يشاء من الاستواء والنزول والكلام والقول والخلق والرزق والإماتة والإحياء، وسائر أنواع التدبير، كل ذلك داخل في قيومية الباري، ولهذا قال بعض المحققين: إنهما الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب، وإذا سئل به أعطى، ومن تمام حياته وقيوميته أن { لا تأخذه سنة ولا نوم } والسنة النعاس { له ما في السماوات وما في الأرض } أي: هو المالك وما سواه مملوك وهو الخالق الرازق المدبر وغيره مخلوق مرزوق مدبر لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض فلهذا قال: { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } أي: لا أحد يشفع عنده بدون إذنه، فالشفاعة كلها لله تعالى، ولكنه تعالى إذا أراد أن يرحم من يشاء من عباده أذن لمن أراد أن يكرمه من عباده أن يشفع فيه، لا يبتدئ الشافع قبل الإذن، ثم قال { يعلم ما بين أيديهم } أي: ما مضى من جميع الأمور { وما خلفهم } أي: ما يستقبل منها، فعلمه تعالى محيط بتفاصيل الأمور، متقدمها ومتأخرها، بالظواهر والبواطن، بالغيب والشهادة، والعباد ليس لهم من الأمر شيء ولا من العلم مثقال ذرة إلا ما علمهم تعالى، ولهذا قال: { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض } وهذا يدل على كمال عظمته وسعة سلطانه، إذا كان هذه حالة الكرسي أنه يسع السماوات والأرض على عظمتهما وعظمة من فيهما، والكرسي ليس أكبر مخلوقات الله تعالى، بل هنا ما هو أعظم منه وهو العرش، وما لا يعلمه إلا هو،
وفي عظمة هذه المخلوقات تحير الأفكار وتكل الأبصار، وتقلقل الجبال وتكع عنها فحول الرجال، فكيف بعظمة خالقها ومبدعها، والذي أودع فيها من الحكم والأسرار ما أودع، والذي قد أمسك السماوات والأرض أن تزولا من غير تعب ولا نصب، فلهذا قال: { ولا يؤوده } أي: يثقله { حفظهما وهو العلي } بذاته فوق عرشه، العلي بقهره لجميع المخلوقات، العلي بقدره لكمال صفاته { العظيم } الذي تتضائل عند عظمته جبروت الجبابرة، وتصغر في جانب جلاله أنوف الملوك القاهرة، فسبحان من له العظمة العظيمة والكبرياء الجسيمة والقهر والغلبة لكل شيء، فقد اشتملت هذه الآية على توحيد الإلهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وعلى إحاطة ملكه وإحاطة علمه وسعة سلطانه وجلاله ومجده، وعظمته وكبريائه وعلوه على جميع مخلوقاته، فهذه الآية بمفردها عقيدة في أسماء الله وصفاته، متضمنة لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلا، ثم قال تعالى:
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
0 النفحة الخامسة
 
 
ِّللَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{284} آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ{285} لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ{286}
 
أخي المسلم الحبيب ثم تأمل معي هذه النفحة وتذوق حلاوتها بأحاسيسك ووجدانك كرر قرأتها وتأمل معانيها وأهدافها وركز بفهم ماذا قال عنها بعض المفسرين وأصحاب الخواطرالايمانية 0 هنا ستدرك لماذا اخترت هذه النفحة  
التفاسير
 تفسير الإمام جلال الدين السيوطي 
 
 (لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا) تظهروا (ما في أنفسكم) من السوء والعزم عليه (أو تخفوه) تسروه (يحاسبكم) يخبركم (به الله) يوم القيامة (فيغفر لمن يشاء) المغفرة له (ويعذب من يشاء) تعذيبه والفعلان بالجزم عطف على جواب الشرط والرفع أي فهو (والله على كل شيء قدير) ومنه محاسبتكم وجزاؤكم
285 (آمن) صدق (الرسول) محمد صلى الله عليه وسلم (بما أنزل إليه من ربه) من القرآن (والمؤمنون) عطف عليه (كلٌ) تنوينه عوض عن المضاف إليه (آمن بالله وملائكته وكتبه) بالجمع والإفراد (ورسله) يقولون (لا نفرق بين أحد من رسله) فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعل اليهود والنصارى (وقالوا سمعنا) أي ما أمرنا به سماع قبول (وأطعنا) نسألك (غفرانك ربنا وإليك المصير) المرجع بالبعث ، ولما نزلت الآية التي قبلها شكا المؤمنون من الوسوسة وشق عليهم المحاسبة بها فنزل:
286 (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) أي ما تسعه قدرتها (لها ما كسبت) من الخير أي ثوابه (وعليها ما اكتسبت) من الشر أي وزره ولا يؤاخذ أحد بذنب أحد ولا بما لم يكسبه مما وسوست به نفسه ، قولوا (ربنا لا تؤاخذنا) بالعقاب (إن نسينا أو أخطأنا) تركنا الصواب لا عن عمدكما آخذت به من قبلنا وقد رفع الله ذلك عن هذه الأمة كما ورد في الحديث فسؤاله اعتراف بنعمة الله (ربنا ولا تحمل علينا إصرا) أمرا يثقل علينا حمله (كما حملته على الذين من قبلنا) أي بني إسرائيل من قتل النفس في التوبة وإخراج ربع المال في الزكاة وقرض موضع النجاسة (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة) قوة (لنا به) من التكاليف والبلاء (واعف عنا) امح ذنوبنا (واغفر لنا وارحمنا) في الرحمة زيادة على المغفرة (أنت مولانا) سيدنا ومتولي أمورنا (فانصرنا على القوم الكافرين) بإقامة الحجة والغلبة في قتالهم فإن من شأن المولى أن ينصر مواليه على الأعداء ، وفي الحديث "لما نزلت هذا الآية فقرأها صلى الله عليه وسلم قيل له عقب كل كلمة قد فعلت".
 
قال ابن كثير عن هذه النفحة في تفسيرة   بتصرف
 
للّهِ ما فِي السّمَاواتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذّبُ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
   يخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض وما فيهن وما بينهن, وأنه المطلع على ما فيهن, لا تخفى عليه الظواهر ولا السرائر والضمائر وإن دقت وخفيت, وأخبر أنه سيحاسب عباده على ما فعلوه وما أخفوه في صدورهم, كما قال تعالى: {قل إن تخفوا ما في صدروكم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السموات وما في الأرض والله على كل شيء قدير} وقال {يعلم السر وأخفى} والاَيات في ذلك كثيرة جداً, وقد أخبر في هذه بمزيد على العلم وهو المحاسبة على ذلك, ولهذا لما نزلت هذه الاَية اشتد ذلك على الصحابة رضي الله عنهم, وخافوا منها, ومن محاسبة الله لهم على جليل الأعمال وحقيرها, وهذا من شدة إيمانهم وإيقانهم. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان, حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم, حدثني أبو عبد الرحمن يعني العلاء عن أبيه, عن أبي هريرة, قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير} اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم جثوا على الركب وقالوا: يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق, الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الاَية, ولا نطيقها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا ؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا, غفرانك ربنا وإليك المصير» فلما أقر بها القوم وذلت بها ألسنتهم, أنزل الله في أثرها {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحد من رسله, وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} إلى آخره. ورواه مسلم منفرداً به من حديث يزيد بن زريع, عن روح بن القاسم, عن العلاء, عن أبيه عن أبي هريرة, فذكر مثله ولفظه, فلما فعلوا ذلك نسخها الله, فأنزل الله {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت, ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال: نعم, {ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا} قال: نعم {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} قال: نعم {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} قال: نعم.
 . وقال مسلم أيضاً: حدثنا أبو كريب, حدثنا خالد الأحمر, عن هشام, عن ابن سيرين, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة, ومن هم بحسنة فعملها كتبت له عشراً إلى سبعمائة, ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب له, وإن عملها كتبت « أي سيئة واحدة
 صفوان بن محرز, قال: بينما نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن عمر وهو يطوف, إذ عرض له رجل فقال: يا ابن عمر, ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «يدنو المؤمن من ربه عز وجل حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه فيقول له: هل تعرف كذا ؟ فيقول: رب أعرف, مرتين, حتى إذا بلغ به ما شاء الله أن يبلغ, قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم, قال: فيعطى صحيفة حسناته أو كتابه بيمينه, وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الأشهاد {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين} وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما من طرق متعددة عن قتادة 
 
** آمَنَ الرّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رّبّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لاَ يُكَلّفُاللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ
 
 ذكر الأحاديث الواردة في فضل هاتين الاَيتين الكريمتين نفعنا الله بهما
 
 (الحديث الأول) ـ قال البخاري: حدثنا محمد بن كثير, أخبرنا شعبة عن سليمان, عن إبراهيم, عن عبد الرحمن, عن ابن مسعود, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «من قرأ الاَيتين» وحدثنا أبو نعيم: حدثنا سفيان, عن منصور, عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد, عن أبي مسعود, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ بالاَيتين ـ من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» وقد أخرجه بقية الجماعة عن طريق سليمان بن مهران الأعمش بإسناده مثله وهو في الصحيحين من طريق الثوري, عن منصور, عن إبراهيم, عن عبد الرحمن عنه به, وهو في الصحيحين أيضاً 
 (الحديث الثاني) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا حسين, حدثنا شيبان, عن منصور, عن ربعي, عن خرشة بن الحر, عن المعرور بن سويد, عن أبي ذر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهن نبي قبلي» قد رواه ابن مردويه من حديثالأشجعي, عن الثوري, عن منصور, عن ربعي, عن زيد بن ظبيان, عن أبي ذر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش».
 
 وقوله {والمؤمنون} عطف على الرسول, ثم أخبر عن الجميع فقال {كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله} فالمؤمنون يؤمنون بأن الله واحد أحد, فرد صمد, لا إله غيره, ولا رب سواه. ويصدقون بجميع الأنبياء والرسل والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء, لا يفرقون بين أحد منهم, فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض, بل الجميع عندهم صادقون بارّون راشدون مهديون هادون إلى سبيل الخير, وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن الله حتى نسخ الجميع بشرع محمد صلى الله عليه وسلم, خاتم الأنبياء والمرسلين, الذين تقوم الساعة على شريعته, ولا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين, وقوله {وقالوا سمعنا وأطعنا} أي سمعنا قولك يا ربنا وفهمناه, وقمنا به وامتثلنا العمل بمقتضاه, {غفرانك ربنا} سؤال للمغفرة والرحمة واللطف, قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي, حدثنا ابن فضل عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس في قول الله {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ـ إلى قوله ـ غفرانك ربنا} قال: قد غفرت لكم {وإليه المصير} أي المرجع والمآب يوم الحساب. قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد, حدثنا جرير عن بيان, عن حكيم, عن جابر, قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} قال جبريل: إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك فسل تعطه, فسأل {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} إلى آخر هذه الأية, وقوله {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} أي لا يكلف أحداً فوق طاقته, وهذا من لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم, وهذه هي الناسخة الرافعة لما كان أشفق منه الصحابة في قوله {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} أي هو وإن حاسب وسأل, لكن لا يعذب إلا بما يملك الشخص دفعه, فأما مالا يملك دفعه من وسوسة النفس وحديثها, فهذا لا يكلف به الإنسان, وكراهية الوسوسة السيئة من الإيمان, وقوله {لها ما كسبت} أي من خير {وعليها ما اكتسبت} أي من شر وذلك في الأعمال التي تدخل تحت التكليف. ثم قال تعالى مرشداً عباده إلى سؤاله, وقد تكفل لهم بالإجابة كما أرشدهم وعلمهم أن يقولوا {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} أي إن تركنا فرضاً على جهة النسيان, أو فعلنا حراماً كذلك, أو أخطأنا أي الصواب في العمل جهلاً منا بوجهه الشرعي. وقد تقدم في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة, قال «قال الله: نعم» ولحديث ابن عباس, قال الله «قد فعلت». وروى ابن ماجه في سننه وابن حبان في صحيحه من حديث أبي عمرو الأوزاعي, عن عطاء¹ قال ابن ماجه في روايته عن ابن عباس, وقال الطبراني وابن حبان, عن عطاء, عن عبيد بن عمير, عن ابن عباس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» وقد روي من طريق آخر وأعله أحمد وأبو حاتم, والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا مسلم بن إبراهيم, حدثنا أبو بكر الهذلي, عن شهر, عن أم الدرداء, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث: عن الخطأ والنسيان, والاستكراه» قال أبو بكر: فذكرت ذلك للحسن, فقال: أجل, أما تقرأ بذلك قرآناً {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}.
 وقوله {ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا} أي لا تكلفنا من الأعمال الشاقة وإن أطقناها كما شرعته للأمم الماضية قبلنا من الأغلال والاَصار التي كانت عليهم, التي بعثت نبيك محمداً صلى الله عليه وسلم, نبي الرحمة بوضعه في شرعه الذي أرسلته به من الدين الحنيف السهل السمح, ».
 وقوله {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} أي من التكليف والمصائب والبلاء لا تبتلنا بما لا قبل لنا به, وقد قال مكحول في قوله {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} قال: العزبة والغلمة, رواه ابن أبي حاتم, قال الله: نعم, وفي الحديث الاَخر: قال الله: قد فعلت.
 وقوله {واعف عنا} أي فيما بيننا وبينك مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا {واغفر لنا} أي فيما بيننا وبين عبادك فلا تظهرهم على مساوينا وأعمالنا القبيحة {وارحمنا} أي فيما يستقبل فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر ,     , ولهذا قالوا: إن المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء: أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه, وأن يستره عن عباده فلا يفضحه به بينهم, وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره. وقد تقدم في الحديث أن الله قال: نعم, وفي الحديث الاَخر: قال الله: قد فعلت.
 وقوله {أنت مولانا} أي أنت ولينا وناصرنا, وعليك توكلنا, وأنت المستعان, وعليك التكلان, ولا حول لنا ولا قوة إلا بك, {فانصرنا على القوم الكافرين} أي الذين جحدوا دينك, وأنكروا وحدانيتك ورسالة نبي
  جرير: حدثني مثنى بن إبراهيم, حدثنا أبو نعيم, حدثنا سفيان عن أبي إسحاق أن معاذاً رضي الله عنه, كان إذا فرغ من هذه السورة {فانصرنا على القوم الكافرين} قال: آمين. ورواه وكيع عن سفيان, عن أبي إسحاق, عن رجل, عن معاذ بن جبل, أنه كان إذا ختم البقرة قال: آمين.
و في ظلال القرأن بتصرف
هذاختام السورة الكبيرة . . في آيتين اثنتين . . ولكنهما تمثلان بذاتهما تلخيصاوافيالأعظم قطاعات السورة . يصلح ختاما لها . ختاما متناسقا مع موضوعاتها وجوهاوأهدافها .
لقدبدأت السورة بقوله تعالى: الم . ذلك الكتاب لا ريب فيه , هدى للمتقين ,الذينيؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون , والذين يؤمنون بما أنزلإليكوما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون . . وورد في ثناياها إشارات إلى هذهالحقيقة , وبخاصة حقيقة الإيمان بالرسل جميعا . . وها هي ذي تختم بقوله تعالى: (آمنالرسولبما أنزل إليه من ربه والمؤمنون . كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله . لانفرقبين أحد من رسله . .)وهو ختام يتناسق مع البدء كأنهما دفتا كتاب !إنهالختام الذي يلخص ويشير ويتناسق مع خط السورة الأصيل . .
وفيهاتين الآيتين كل كلمة لها موضعها , ولها دورها , ولها دلالتها الضخمة . وهيقائمةفي العبارة لتمثيل ما وراءها - وهو كبير - من حقائق العقيدة . . من طبيعةالإيمانفي هذا الدين وخصائصه وجوانبه . ومن حال المؤمنين به مع ربهم , وتصورهم لمايريده - سبحانه - بهم , وبالتكاليف التي يفرضها عليهم . ومن التجائهم إلى كنفهواستسلامهملمشيئته وارتكانهم إلى عونه . . نعم . . كل كلمة لها دورها الضخم .بصورة
  . عجيبة حتى في نفس من عاش في ظلال القرآن , وعرف شيئا من أسرارالتعبيرفيه ; وطالع هذه الأسرار في كل آية من آياته !وإيمانالرسول بما أنزل إليه من ربه هو إيمان التلقي المباشر . تلقي قلبه النقيللوحيالعلي . واتصاله المباشر بالحقيقة المباشرة . الحقيقة التي تتمثل في كيانهبذاتهامن غير كد ولا محاولة ; وبلا أداة أو واسطة . وهي درجة من الإيمان لا مجاللوصفهافلا يصفها إلا من ذاقها , ولا يدركها من الوصف - على حقيقتها - إلا من ذاقهاكذلك ! فهذا الإيمان - إيمان الرسول [ ص ] هو الذي
 
 
 
يكرم الله عباده المؤمنينفيجمعهمفي الوصف مع الرسول الكريم . على فارق ما بين مذاقه في كيان الرسول [ ص ]بطبيعةالحال وكيان أي سواه ممن لم يتلق الحقيقة المباشرة من مولاه .
فماهي طبيعة هذا الإيمان وحدوده ?
(كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله . لا نفرق بين أحد من رسله . وقالوا:سمعناوأطعنا . غفرانك ربنا وإليك المصير). .
إنهالإيمان الشامل الذي جاء به هذا الدين . الإيمان الذي يليق بهذه الأمةالوارثةلدين الله , القائمة على دعوته في الأرض إلى يوم القيامة , الضاربة الجذورفيأعماق الزمان , السائرة في موكب الدعوة وموكبالرسولوموكبالإيمانالممتد في شعاب التاريخ البشري , الإيمان الذي يتمثل البشرية كلها منذنشأتهاإلى نهايتها صفين اثنين:صف المؤمنين وصف الكافرين . حزب الله وحزب الشيطان .فليسهنالك صف ثالث على مدار الزمان .
(كل آمن بالله). .
والإيمانبالله في الإسلام قاعدة التصور . وقاعدة المنهج الذي يحكم الحياة .وقاعدةالخلق وقاعدة الاقتصاد . وقاعدة كل حركة يتحركها المؤمن هنا أو هناك .
الإيمانبالله معناه إفراده - سبحانه - بالألوهية والربوبية والعبادة . ومن ثمإفرادهبالسيادة على ضمير الإنسان وسلوكه في كل أمر من أمور الحياة .
ليسهناك شركاء - إذن - في الألوهية أو الربوبية . فلا شريك له في الخلق . ولاشريكله في تصريف الأمور . ولا يتدخل في تصريفه للكون والحياة أحد . ولا يرزق الناسمعهأحد . ولا يضر أو ينفع غيره أحد . ولا يتم شيء في هذا الوجود صغيرا كان أوكبيراإلا ما يأذن به ويرضاه .
 وملائكته).
والإيمانبملائكة الله طرف من الإيمان بالغيب , الذي تحدثنا عن قيمته في حياةالإنسانفي مطلع السورة - في الجزء الأول من الظلال - وهو يخرج الإنسان من نطاقالحواسالمضروب على الحيوان ; ويطلقه يتلقى المعرفة مما وراء هذا النطاق الحيواني ;وبذلكيعلن "إنسانيته" بخصائصها المميزة . .ذلكبينما هو يلبي فطرة الإنسان وشوقهإلىالمجاهيل التي لا تحيط بها حواسه , ولكنه يحس وجودها بفطرته . فإذا لم تلب هذهالأشواقالفطرية بحقائق الغيب - كما منحها الله له - اشتطت وراء الأساطير والخرافاتلتشبعهذه الجوعة ; أو أصيب الكيان الإنساني بالخلخلة والاضطراب .
والإيمانبالملائكة:إيمان بحقيقة غيبية , لا سبيل للإدراك البشري أن يعرفهابذاته , بوسائله الحسية والعقلية المهيأة له . . بينما كيانه مفطور على الشوق إلىمعرفةشيء من تلك الحقائق الغيبية . ومن ثم شاءت رحمة الله بالإنسان - وهو فاطرهوهوالعليم بتكوينه وأشواقه وما يصلح له ويصلحه - أن يمده بطرف من الحقائق الغيبيةهذه , ويعينه على تمثلها - ولو كانت أدواته الذاتية قاصرة عن الوصول إليها - وبذلكيريحهمن العناء ومن تبديد الطاقة في محاولة الوصول إلى تلك الحقائق التي لا يصلحكيانهوفطرته بدون معرفتها , ولا يطمئن باله ولا يقر قراره قبل الحصول عليها !بدليلأن الذين أرادوا أن يتمردوا على فطرتهم ,
 فينفوا حقائقالغيب منحياتهم , استبدت ببعضهم خرافات وأوهام مضحكة ; أو اضطربت عقولهم واعصابهم وامتلأت بالعقد والانحرافات !
وفضلاعلى ذلك كله فإن الإيمان بحقيقة الملائكة - شأنه شأن الإيمان بالحقائقالغيبيةالمستيقنة التي جاءت من عند الله - يوسع آفاق الشعور الإنساني بالوجود ,فلاتنكمش صورة الكون في تصور المؤمن حتى تقتصر على ما تدركه حواسه - وهو ضئيل -كماأنه يؤنس قلبه بهذه الأرواح المؤمنة من حوله ; تشاركه إيمانه بربه , وتستغفر له , وتكون في عونه على الخير - بإذن الله - وهو شعور لطيف ندي مؤنس ولا شك . . ثمهنالكالمعرفة:المعرفة بهذه الحقيقة وهي في ذاتها فضل يمنحه الله للمؤمنين بهوبملائكته . .
(وكتبه ورسله). . (لا نفرق بين أحد من رسله).
والإيمانبكتب الله ورسله بدون تفرقة بين أحد من رسله هو المقتضى الطبيعي الذيينبثقمن الإيمان بالله في الصورة التي يرسمها الإسلام . فالإيمان بالله يقتضيالاعتقادبصحة كل ما جاء من عند الله , وصدق كل الرسل الذين يبعثهم الله , ووحدةالأصلالذي تقوم عليه رسالتهم , وتتضمنه الكتب التي نزلت عليهم . . ومن ثم لا تقومالتفرقةبين الرسل في ضمير المسلم . فكلهم جاء من عند الله بالإسلام في صورة منصورهالمناسبة لحال القوم الذين أرسل إليهم ; حتى انتهى الأمر إلى خاتم النبيينمحمد [ ص ] فجاء بالصورة الأخيرة للدين الواحد , لدعوة البشرية كلها إلى يومالقيامة .
 والمؤمنونبالله وملائكته وكتبه ورسله , يتوجهون إلى ربهم بالطاعة والتسليم ,ويعرفونأنهم صائرون إليه , فيطلبون مغفرته من التقصير:
(وقالوا:سمعنا وأطعنا , غفرانك ربنا , وإليك المصير).
ويتجلىفي هذه الكلمات أثر الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله . يتجلى في السمعوالطاعة , السمع لكل ما جاءهم من عند الله , والطاعة لكل ما أمر به الله . فهوإفرادالله بالسيادة كما ذكرنا من قبل , والتلقي منه في كل أمر . فلا إسلام بلاطاعةلأمر الله , وإنفاذ لنهجه في الحياة . ولا إيمان حيث يعرض الناس عن أمر اللهفيالكبيرة والصغيرة من شؤون حياتهم ; أو حيث لا ينفذون شريعته , أو حيث يتلقونتصوراتهمعن الخلق والسلوك والاجتماع والاقتصاد والسياسة من مصدر غير مصدره .فالإيمانما وقر في القلب وصدقه العمل
ومعالسمع والطاعة . . الشعور بالتقصير والعجز عن توفية آلاء الله حق شكرها ;وفرائضالله حق أدائها . والالتجاء إلى رحمة الله لتتدارك تقصيرهم وعجزهم بسماحتها:
(غفرانك ربنا). .
ولكنطلب الغفران إنما يجيء بعد تقديم الاستسلام وإعلان السمع والطاعة ابتداءبلاعناد أو نكران . . وإنما يعقبه كذلك اليقين بأن المصير إلى الله . المصير إليهفيالدنيا والآخرة . المصير إليه في كل أمر وكل عمل . فلا ملجأ مناللهإلا إليه ; ولا عاصم من قدره , ولا مرد لقضائه ولا نجوة من عقابه إلا برحمتهوغفرانه:
(وإليك المصير).
 
وهذاالقول يتضمن الإيمان باليوم الآخر - كما رأينا - والإيمان باليوم الآخر هوأحدمقتضيات الإيمان بالله وفق التصور الإسلامي , الذي يقوم على أساس أن الله خلقالإنسانليستخلفه في الأرض بعهد منه وشرط , يتناول كل صغيرة وكبيرة من نشاطه في هذهالأرض ; وأنه خلقه واستخلفه ليبتليه في حياته الدنيا , ثم ينال جزاءه بعد نهايةالابتلاء . . فاليوم الآخر والجزاء فيه حتمية من حتميات الإيمان وفق التصورالإسلامي . . وهذا الإيمان على هذا النحو هو الذي يكيف ضمير المسلم وسلوكه ,وتقديرهللقيم والنتائج في هذه العاجلة . فهو يمضي في طريق الطاعة , وتحقيق الخير ,والقيامعلى الحق والاتجاه إلى البر سواء كانت ثمرة ذلك -
 وهذاالقول يتضمن الإيمان باليوم الآخر - كما رأينا - والإيمان باليوم الآخر هوأحدمقتضيات الإيمان بالله وفق التصور الإسلامي , الذي يقوم على أساس أن الله خلقالإنسانليستخلفه في الأرض بعهد منه وشرط , يتناول كل صغيرة وكبيرة من نشاطه في هذهالأرض ; وأنه خلقه واستخلفه ليبتليه في حياته الدنيا , ثم ينال جزاءه بعد نهايةالابتلاء . . فاليوم الآخر والجزاء فيه حتمية من حتميات الإيمان وفق التصورالإسلامي . . وهذا الإيمان على هذا النحو هو الذي يكيف ضمير المسلم وسلوكه ,وتقديرهللقيم والنتائج في هذه العاجلة . فهو يمضي في طريق الطاعة , وتحقيق الخير ,والقيامعلى الحق والاتجاه إلى البر سواء كانت ثمرة ذلك - في الأرض - راحة له أمتعبا . كسبا له أم خسارة . نصرا له أم هزيمة . وجدانا له أو حرمانا . 
 (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها . لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت).
وهكذايتصور المسلم رحمة ربه وعدله في التكاليف التي يفرضها الله عليه في خلافتهللأرض ; وفي ابتلائه في أثناء الخلافة ; وفي جزائه على عمله في نهاية المطاف .ويطمئنإلى رحمة الله وعدله في هذا كله ; فلا يتبرم بتكاليفه , ولا يضيق بها صدرا ,ولايستثقلها كذلك , وهو يؤمن أن الله الذي فرضها عليه أعلم بحقيقة طاقته , ولو لمتكنفي طاقته ما فرضها عليه . ومن شأن هذا التصور - فضلا عما يسكبه في القلب منراحةوطمأنينة وأنس - أن يستجيش عزيمة المؤمن للنهوض بتكاليفه , وهو يحس أنها داخلةفيطوقه ; ولو لم تكن داخلة في طوقه ما كتبها الله عليه ; فإذا ضعف مرة أو تعب مرةأوثقل العبء عليه , أدرك أنه الضعف لا فداحة العبء ! واستجاش عزيمته ونفض الضعف عننفسهوهم همة جديدة للوفاء , ما دام داخلا في مقدروه ! وهو إيحاء كريم لاستنهاضالهمةكلما ضعفت على طول الطريق ! فهي التربية كذلك لروحالمؤمن وهمته
لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت).
فرديةالتبعة , فلا تنال نفس إلا ما كسبت ; ولا تحمل نفس إلا ما اكتسبت . .فرديةالتبعة , ورجعة كل إنسان إلى ربه بصحيفته الخاصة , وما قيد فيها له أو عليه .فلايحيل على أحد , ولا ينتظر عون أحد . 
  (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا).
فدائرةالخطأ والنسيان هي التي تحكم تصرف المسلم حين ينتابه الضعف البشري الذيلاحيلة له فيه . وفي مجالها يتوجه إلى ربه يطلب العفو والسماح . وليس هو التبجحإذنبالخطيئة أو الإعراض ابتداء عن الأمر , أو التعالي عن الطاعة والتسليم ; أوالزيغعن عمد وقصد . . ليس في شيء من هذا يكون حال المؤمن مع ربه ; وليس في شيء منهذايطمع في عفوه أو سماحته . . إلا أن يتوب ويرجع إلى الله وينيب . . وقد استجاباللهلدعاء عباده المؤمنين في هذا , فقال رسول الله [ ص ]:" رفع عن أمتي الخطأوالنسيانومااستكرهواعليه " .
 
 
(ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا). .
وهودعاء ينبعث من وراثة الأمة المسلمة لتراث الرسالة كله , ومعرفتهم - كماعلمهمربهم في هذا القرآن - بما كان من سلوك الأمم التي جاءتها الرسالات قبلهم ;وماحملهم الله من الآصار والأثقال عقوبة لهم على بعض ما كان منهم . فقد حرم علىبنيإسرائيل بعض الطيبات بعملهم . وفي آية الأنعام: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذيظفر , ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو مااختلطبعظم) . . وكتب عليهم قتل أنفسهم تكفيرا عن عبادتهم للعجل كما سبق في أول هذهالسورة . وحرم عليهم(السبت)أن يبتغوا فيه تجارة أو صيدا . . وهكذا فالمؤمنون يدعونربهمألا يحمل عليهم أثقالا كالتي حملها على الذين من قبلهم , وقد بعث الله النبيالأمييضع عن المؤمنين به من البشر كافة: (إصرهم والأغلال التي كانت عليهم). .فجاءتهذه العقيدة سمحة ميسرة , هينة لينة , تنبع من الفطرة وتتبع خط الفطرة , وقيلللرسول [ ص ](ونيسرك لليسرى).
علىأن الإصر الأكبر الذي رفعه الله عن كاهل الأمة المسلمة , والذي حمله اللهعلىعاتق الأمم التي استخلفها في الأرض قبلهم فنقضت عهد الاستخلاف وحادت عنه . .هذاالإصر الأكبر هو إصر العبودية للبشر . عبودية العبد للعبد . ممثلة في تشريعالعبدللعبد . وفي خضوع العبد للعبد لذاته أو لطبقته أو لجنسه . . فهذا هو الإصرالأكبرالذي أطلق الله عباده المؤمنين منه , فردهم إلى عبادته وحده وطاعته وحده ,وتلقيالشريعة منه وحده . وحرر بهذه العبودية لله الواحد الأحد أرواحهم وعقولهموحياتهمكلها من العبودية للعبيد !
إنالعبودية لله وحده - متمثلة في تلقي الشرائع والقوانين والقيم والموازين منهوحده - هي نقطة الانطلاق والتحرر البشري . الانطلاق والتحرر من سلطان الجبارينوالطغاة , ومن سلطان السدنة والكهنة , ومن سلطان الأوهام والخرافات , ومن سلطانالعرفوالعادة , ومن سلطان الهوى والشهوة . ومن كل سلطان زائف يمثل الإصر الذي يلوياعناقالبشر ويخفض جباههم لغير الواحد القهار .
ودعاءالمؤمنون: (ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا):يمثلشعورهمبنعمة الانطلاق والتحرر من العبودية للعبيد ; كما يمثل خوفهم من الارتدادإلىذلك الدرك السحيق .
(ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به). .
وهودعاء يشي بحقيقة الاستسلام . فالمؤمنون لا ينوون نكولا عن تكليف الله أياكان . ولكنهم فقط يتوجهون إليه راجين متطلعين أن يرحم ضعفهم فلا يكلفهم ما لايطيقون . كي لا يعجزوا عنه ويقصروا فيه . . وإلا فهي الطاعة المطلقة والتسليم . .إنهطمع الصغير في رحمة الكبير . ورجاء العبد الضعيف في سماحة المالك المتصرف .وطلبما هو من شأن الله في معاملته لعباده من كرم وبر وود وتيسير .
ثمالاعتراف بالضعف بعد ذلك والتوجس من التقصير , الذي لا يمحو آثاره إلا فضلاللهالعفو الغفور:
(واعف عنا , واغفر لنا وارحمنا).
فهذاهو الضمان الحقيقي لاجتياز الامتحان , ونيل الرضوان . فالعبد مقصر مهمايحاولمن الوفاء . ومن رحمةالله به أن يعامله بالعفو والمرحمةوالغفران . . عن عائشة رضي الله عنها , قال رسول الله [ ص ]:" لا يدخل أحدكم الجنةبعمله " . . قالوا:ولا أنت يا رسول الله ? قال:" ولا أنا . إلا أن يتغمدني اللهبرحمته "
 
وهذاهو قوام الأمر في حس المؤمن:عمل بكل ما في الوسع . وشعور مع ذلك بالتقصيروالعجز . . ورجاء - بعد ذلك - في الله لا ينقطع . وتطلع إلى العفو والمغفرة والسماح .
وأخيرايلصق المؤمنون ظهورهم إلى ركن الله , وهم يهمون بالجهاد في سبيله ,لإحقاقالحق الذي إراده , وتمكين دينه في الأرض ومنهجه , (حتى لا تكون فتنة ويكونالدينلله). يلصق المؤمنون ظهورهم إلى ركن الله الركين ; ويرفعون رايته على رؤوسهمفينتسبونإليه وحده . إذا انتسبت الجاهلية إلى شتى الشعارات والعنوانات ; ويطلبوننصرهلأوليائه بما أنه هو مولاهم الوحيد ; وهم باسمه يقاتلون الكفار الخارجين:
(أنت مولانا , فانصرنا على القوم الكافرين). .
إنهالختام الذي يلخص السورة . ويلخص العقيدة . ويلخص تصور المؤمنين , وحالهم معربهمفي كل حين . قال ابن سعدي عن هذه النفحة في تفسيره فتح الرحيم المنان بتصرف
هذا إخبار من الله أنه له ما في السماوات وما في الأرض، الجميع خلقهم ورزقهم ودبرهم لمصالحهم الدينية والدنيوية، فكانوا ملكا له وعبيدا، لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، وهو ربهم ومالكهم الذي يتصرف فيهم بحكمته وعدله وإحسانه، وقد أمرهم ونهاهم وسيحاسبهم على ما أسروه وأعلنوه، { فيغفر لمن يشاء } وهو لمن أتى بأسباب المغفرة، ويعذب من يشاء بذنبه الذي لم يحصل له ما يكفره { والله على كل شيء قدير } لا يعجزه شيء، بل كل الخلق طوع قهره ومشيئته وتقديره وجزائه.
{ 285 } { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } يخبر تعالى عن إيمان الرسول والمؤمنين معه، وانقيادهم وطاعتهم وسؤالهم مع ذلك المغفرة، فأخبر أنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله، وهذا يتضمن الإيمان بجميع ما أخبر الله به عن نفسه، وأخبرت به عنه رسله من صفات كماله ونعوت جلاله على وجه الإجمال والتفصيل، وتنزيهه عن التمثيل والتعطيل وعن جميع صفات النقص، ويتضمن الإيمان بالملائكة الذين نصت عليهم الشرائع جملة وتفصيلا، وعلى الإيمان بجميع الرسل والكتب، أي: بكل ما أخبرت به الرسل وتضمنته الكتب من الأخبار والأوامر والنواهي، وأنهم لا يفرقون بين أحد من رسله، بل يؤمنون بجميعهم، لأنهم وسائط بين الله وبين عباده، فالكفر ببعضهم كفر
 بجميعهم بل كفر بالله { وقالوا سمعنا } ما أمرتنا به ونهيتنا { وأطعنا } لك في ذلك، ولم يكونوا ممن قالوا سمعنا وعصينا، ولما كان العبد لا بد أن يحصل منه تقصير في حقوق الله تعالى وهو محتاج إلى مغفرته على الدوام، قالوا { غفرانك } أي: نسألك مغفرة لما صدر منا من التقصير والذنوب، ومحو ما اتصفنا به من العيوب { وإليك المصير } أي: المرجع لجميع الخلائق فتجزيهم بما عملوا من خير وشر.
{ 286 } { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ }
لما نزل قوله تعالى { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } شق ذلك على المسلمين لما توهموا أن ما يقع في القلب من الأمور اللازمة والعارضة المستقرة وغيرها مؤاخذون به، فأخبرهم بهذه الآية أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها أي: أمرا تسعه طاقتها، ولا يكلفها ويشق عليها، كما قال تعالى { ما جعل عليكم في الدين من حرج } فأصل الأوامر والنواهي ليست من الأمور التي تشق على النفوس، بل هي غذاء للأرواح
 
ودواء للأبدان، وحمية عن الضرر، فالله تعالى أمر العباد بما أمرهم به رحمة وإحسانا، ومع هذا إذا حصل بعض الأعذار التي هي مظنة المشقة حصل التخفيف والتسهيل، إما بإسقاطه عن المكلف، أو إسقاط بعضه كما في التخفيف عن المريض والمسافر وغيرهم، ثم أخبر تعالى أن لكل نفس ما كسبت من الخير، وعليها ما اكتسبت من الشر، فلا تزر وازرة وزر أخرى ولا تذهب حسنات العبد لغيره، وفي الإتيان بـ " كسب " في الخير الدال على أن عمل الخير يحصل للإنسان بأدنى سعي منه بل بمجرد نية القلب وأتى بـ " اكتسب " في عمل الشر للدلالة على أن عمل الشر لا يكتب على الإنسان حتى يعمله ويحصل سعيه، ولما أخبر تعالى عن إيمان الرسول والمؤمنين معه وأن كل عامل سيجازى بعمله، وكان الإنسان عرضة للتقصير والخطأ والنسيان، وأخبر أنه لا يكلفنا إلا ما نطيق وتسعه قوتنا، أخبر عن دعاء المؤمنين بذلك، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قال: قد فعلت. إجابة لهذا الدعاء، فقال { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } والفرق بينهما: أن النسيان: ذهول القلب عن ما أمر به فيتركه نسيانا، والخطأ: أن يقصد شيئا يجوز له قصده ثم يقع فعله على ما لا يجوز له فعله: فهذان قد عفا الله عن هذه الأمة ما يقع بهما رحمة بهم وإحسانا، فعلى هذا من صلى في ثوب مغصوب، أو نجس، أو قد نسي نجاسة على بدنه، أو تكلم في الصلاة ناسيا، أو فعل مفطرا ناسيا، أو فعل محظورا من محظورات الإحرام التي ليس فيها إتلاف ناسيا، فإنه معفو عنه، وكذلك لا يحنث من فعل المحلوف عليه ناسيا، وكذلك لو أخطأ فأتلف نفسا أو مالا فليس عليه إثم، وإنما الضمان مرتب على مجرد الإتلاف، وكذلك المواضع التي تجب فيها التسمية إذا تركها الإنسان ناسيا لم يضر. { ربنا ولا تحمل علينا إصرا } أي: تكاليف مشقة { كما حملته على الذين من قبلنا } وقد فعل تعالى فإن الله خفف عن هذه الأمة في الأوامر من الطهارات وأحوال العبادات ما لم يخففه على غيرها { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } وقد فعل وله الحمد { واعف عنا واغفر لنا وارحمنا } فالعفو والمغفرة يحصل بهما دفع المكاره والشرور، والرحمة يحصل بها صلاح الأمور { أنت مولانا } أي: ربنا ومليكنا وإلهنا الذي لم تزل ولايتك إيانا منذ أوجدتنا وأنشأتنا فنعمك دارة علينا متصلة عدد الأوقات، ثم أنعمت علينا بالنعمة العظيمة والمنحة الجسيمة، وهي نعمة الإسلام التي جميع النعم تبع لها، فنسألك يا ربنا ومولانا تمام نعمتك بأن تنصرنا على القوم الكافرين، الذين كفروا بك وبرسلك، وقاوموا أهل دينك ونبذوا أمرك، فانصرنا عليهم بالحجة والبيان والسيف والسنان، ، والحمد لله رب العالمين.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
النفحة السا دسة
 
الم{1} اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ{2} نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ{3} مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ{4} إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء{5} هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{6} هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ{7} رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ{8} رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ{9}
 
 أخي المسلم الحبيب ثم تأمل معي هذه النفحة وتذوق حلاوتها بأحاسيسك ووجدانك كرر قرأتها وتأمل معانيها وأهدافها وركز بفهم ماذا قال عنها بعض المفسرين وأصحاب الخواطرالايمانية 0 هنا ستدرك لماذا اخترت هذه النفحة  
التفاسير
تفسير الإمام جلال الدين السيوطي 
 
3 (نزَّل عليك) يا محمد (الكتاب) القرآن ملتبسا (بالحق) بالصدق في أخباره (مصدقا لما بين يديه) قبله من الكتب (وأنزل التوراة والإنجيل)
4 (من قبل) أي قبل تنزيله (هدى) حال بمعنى هادين من الضلالة (للناس) ممن تبعهما ، وعبّر فيهما بأنزل وفي القرآن بنزّل المقتضي للتكرير لأنهما أنزلا دفعة واحدة بخلافه (وأنزل الفرقان) بمعنى الكتب الفارقة بين الحق والباطل وذكره بعد ذكر الثلاثة ليعم ما عداها (إن الذين كفروا بآيات الله) القرآن وغيره (لهم عذاب شديد والله عزيز) غالب على أمره فلا يمنعه شيء من إنجاز وعده ووعيده (ذو انتقام) عقوبة شديدة ممن عصاه لا يقدر على مثلها أحد
5 (إن الله لا يخفى عليه شيء) كائن (في الأرض ولا في السماء) لعلمه بما يقع في العالم من كلي وجزئي وخصهما بالذكر لأن الحس لا يتجاوزهما
6 (هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء) من ذكورة وأنوثة وبياض وسواد وغير ذلك (لا إله إلا هو العزيز) في ملكه (الحكيم) في صنعه
7 (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات) واضحات الدلالة (هن أم الكتاب) أصله المعتمد عليه في الأحكام (وأخر متشابهات) لا تفهم معانيها كأوائل السور وجعله كله محكمافي قوله {أحكمت آياته} بمعنى أيه ليس فيه عيب ، ومتشابها في قوله {كتابا متشابها} بمعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الحسن والصدق (فأما الذين في قلوبهم زيغ) ميل عن الحق (فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء) طلب (الفتنة) لجهالهم بوقوعهم في الشبهات واللبس (وابتغاء تأويله) تفسيره (وما يعلم تأويله) تفسيره (إلا الله) وحده (والراسخون) الثابتون المتمكنون (في العلم) مبتدأ خبره (يقولون آمنا به) أي بالمتشابه أنه من عند الله ولا نعلم معناه (كل) من المحكم والمتشابه (من عند ربنا وما يذَّكر) بإدغام التاء في الأصل في الذال أي يتعظ (إلا أولوا الألباب) أصحاب العقول ويقولون أيضا إذا رأوا من يتبعه:
8 (ربنا لا تزغ قلوبنا) تملها عن الحق بابتغاء تأويله الذي لا يليق بنا كما أزغت قلوب أولئك (بعد إذ هديتنا) أرشدتنا إليه (وهب لنا من لدنك) من عندك (رحمة) تثبيتا (إنك أنت الوهاب)
يا (ربنا إنك جامع الناس) تجمعهم (ليوم) أي في يوم (لا ريب) لا شك (فيه) هو يوم القيامة فتجازيهم بأعمالهم كما وعدت بذلك (إن الله لا يخلف الميعاد) موعده بالبعث فيه التفات عن الخطاب ويحتمل أن يكون من كلامه تعالى والغرض من الدعاء بذلك بيان أن همهم أمر الآخرةولذلك سألوا الثبات على الهداية لينالوا ثوابها ، روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: "تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات} إلى آخرها ، وقال فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم" وروى الطبراني في الكبير عن أبي موسى الأشعري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ما أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال وذكر منها أن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله وليس يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلى أولوا الألباب" الحديث
 
قال ابن كثير عن هذه النفحة في تفسيرة   بتصرف
 
وقوله تعالى: {نزل عليك الكتاب بالحق} يعني نزل عليك القرآن يا محمد بالحق, أي لا شك فيه ولا ريب, بل هو منزل من عند الله, أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداً, وقوله: {مصدقاً لما بين يديه} أي من الكتب المنزلة قبله من السماء على عباد الله الأنبياء, فهي تصدقه بما أخبرت به, وبشرت في قديم الزمان, وهو يصدقها, لأنه طابق ما أخبرت به, وبشرت من الوعد من الله بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن العظيم عليه. وقوله: {وأنزل التوراة} أي على موسى بن عمران, {والإنجيل} أي على عيسى ابن مريم عليهما السلام, {من قبل} أي من قبل هذا القرآن {هدى للناس} أي في زمانهما. {وأنزل الفرقان} وهو الفارق بين الهدى والضلال. والحق والباطل, والغي والرشاد, بما يذكره الله تعالى من الحجج والبينات والدلائل الواضحات, والبراهين القاطعات, ويبينه ويوضحه ويفسره ويقرره ويرشد إليه وينبه عليه من ذلك. وقال قتادة والربيع بن أنس: الفرقان ـ ههنا ـ القرآن. واختار ابن جرير أنه مصدر ههنا لتقدم ذكر القرآن في قوله: {نزل عليك الكتاب بالحق} وهو القرآن.  
 وقوله تعالى: {إن الذين كفروا بآيات الله} أي جحدوا بها وأنكروها وردوها بالباطل, {لهم عذاب شديد} أي يوم القيامة, {والله عزيز} أي منيع الجناب عظيم السلطان, {ذو انتقام} أي ممن كذب بآياته وخالف رسله الكرام وأنبياءه العظام.
** إِنّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأرْضِ وَلاَ فِي السّمَآءِ *  هُوَ الّذِي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
   يخبر تعالى أنه يعلم غيب السماء والأرض, لا يخفى عليه شيء من ذلك, {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء} أي يخلقكم في الأرحام كما يشاء من ذكر وأنثى, وحسن وقبيح, وشقي وسعيد, {لا إله إلا هو العزيز الحكيم} أي هو الذي خلق, وهو المستحق للإلهية وحده لا شريك له, وله العزة التي لا ترام, والحكمة والأحكام. وهذه الاَية فيها تعريض, بل تصريح بأن عيسى ابن مريم عبد مخلوق, كما خلق الله سائر البشر, لأن الله صوره في الرحم وخلقه كما يشاء, فكيف يكون إلهاً كما زعمته النصارى, عليهم لعائن الله, وقد تقلب في الأحشاء وتنقل من حال إلى حال ؟ كما قال تعالى: {يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث}.
 
** هُوَ الّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مّحْكَمَاتٌ هُنّ أُمّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمّا الّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللّهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ
 
 كُلّ مّنْ عِندِ رَبّنَا وَمَا يَذّكّرُ إِلاّ أُوْلُواْ الألْبَابِ * رَبّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لّدُنْكَ رَحْمَةً إِنّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ * رَبّنَآ إِنّكَ جَامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لاّ رَيْبَ فِيهِ إِنّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ
 
   يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات, هن أم الكتاب, أي بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد, ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم, فمن رد ما اشتبه إلى الواضح منه وحكم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى ومن عكس انعكس ولهذاقال تعالى {هنّ أم الكتاب} أي أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه {وأخر متشابهات} أي تحتمل دلالتها موافقة المحكم وقد تحتمل شيئاً آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد. عن ابنعباس رضي الله عنهما: المحكمات ناسخه وحلاله وحرامه وأحكامه وحدوده وفرائضه وما يؤمر به    ,
 
 وأحسن ما قيل فيه هو الذي قدمنا وهو الذي نص عليه محمد بن إسحاق بن يسار رحمه الله حيث قال منه آيات محكمات فهن حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم الباطل ليس لهن تصريف عما وضعن عليه, قال: والمتشابهات في الصدق ليس لهن تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا يصرفن إلى الباطل ويحرفن عن الحق.
 ولهذا قال تعالى {فأما الذين في قلوبهم زيغ} أي ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل {فيتبعون ما تشابه منه} أي إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه لأنه دافع لهم وحجة عليهم ولهذا قال الله تعالى: {ابتغاء الفتنة} أي الإضلال لأتباعهم إيهاماً لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن وهو حجة عليهم لا لهم كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وتركوا الاحتجاج بقوله {إن هو إلا عبد أنعمنا عليه} وبقوله {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} وغير ذلك من الاَيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله وعبد ورسول من رسل الله.
 وقوله تعالى {وابتغاء تأويله} أي تحريفه على ما يريدون وقال مقاتل بن حيان والسدي يبتغون أن يعلموا ما يكون وما عواقب الأشياء من القرآن وقد قال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قرأ رسول الله صلى اللهعليه وسلم {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} إلى قوله {أولوا الألباب} فقال: «فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم» هكذا وقع الحديث في مسند الإمام أحمد من رواية ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها ليسبينهما أحد وهكذا رواه ابن ماجه من طريق إسماعيل بن علية وعبد الوهاب الثقفي كلاهما عن أيوب به ورواه محمد بن يحيى العبدي في مسنده عن عبد الوهاب الثقفي عن أيوب به وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب وكذا رواه غير واحد عن أيوب وقد رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أيوب  . وقال الإمام أحمد. حدثنا أبو كامل, حدثنا حماد عن أبي غالب, قال: سمعت أبا أمامة يحدث uk النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه} قال «هم الخوارج». وفي قوله تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} قال «هم الخوارج» وقد رواه ابن مردويه من غير وجه, عن أبي غالب. عن أبي أمامة مرفوعاً فذكره, وهذا الحديث أقل أقسامه أن يكون موقوفاً من كلام الصحابي, ومعناه صحيح, فإن أول بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج, وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم النبي صلى الله عليه وسلم غنائم حنين, فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة, ففاجؤوه بهذه المقالة, فقال قائلهم وهو ذو الخويصرة ـ بقر الله خاصرته ـ: اعدل فإنك لم تعدل, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل, أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني».
فلما قفا الرجل استأذن عمر بن الخطاب, وفي رواية خالد بن الوليد, رسول الله في قتله, فقال «دعه فانه يخرج من ضئضىء هذا, أي من جنسه قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم, وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم, يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية, فأينما لقيتموهم فاقتلوهم, فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم» ثم كان ظهورهم أيام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقتلهم بالنهروان, ثم تشعبت منهم شعوب, وقبائل وآراء, وأهواء, ومقالات, ونحل كثيرة منتشرة, ثم نبعت القدرية, ثم المعتزلة, ثم الجهمية, وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في قوله «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة»
قالوا: من هم يا رسول الله ؟ قال: «من كان على ما أنا عليه وأصحابي», أخرجه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة.
 
 وقوله تعالى {وما يعلم تأويله إلا الله} عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: التفسير على أربعة أنحاء: فتفسير لا يعذر أحد في فهمه, وتفسير تعرفه العرب من لغاتها, وتفسير يعلمه الراسخون في العلم, وتفسير لا يعلمه إلا الله, ويروى هذا القول عن عائشة وعروة وأبي الشعثاء وأبي نَهيك وغيرهم.  عن ابن طاوس عن أبيه, قال: كان ابن عباس يقرأ: وما يعلم تأويله إلا الله, ويقول الراسخون آمنا به, وكذا رواه ابن جرير عن عمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس أنهم يؤمنون به ولا يعلمون تأويله, وحكى ابن جرير أن في قراءة عبد الله بن مسعود: إن تأويله إلا عند الله و والراسخون في العلم يقولون آمنا به, وكذا عن أبي بن كعب, واختار ابن جرير هذا القول.
 وقوله إخباراً عنهم {يقولون: آمنا به}, أي المتشابه, {كل من عند ربنا} أي الجميع من المحكم, والمتشابه حق وصدق, وكل واحد منهما يصدق الاَخر ويشهد له, لأن الجميع من عند الله وليس شيء من عند الله بمختلف ولا متضاد, لقوله: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غيرالله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}, ولهذا قال تعالى: {وما يذكر إلا أولوا الألباب} أي إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولوا العقول السليمة والفهوم المستقيمة, وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عوف الحمصي, حدثنا نعيم بن حماد, حدثنا فياض الرقي, حدثنا عبد الله بن يزيد وكان قد أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنساً وأبا أمامة وأبا الدرداء رضي الله عنهم قال: حدثنا أبو الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, سئل عن الراسخين في العلم, فقال: «من برت يمينه, وصدق لسانه, واستقام فلبه, ومن أعفّ بطنه وفرجه, فذلك من الراسخين في العلم»,  وقال ابن المنذر في تفسيره: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم, حدثنا ابن وهب, قال: أخبرني نافع بن يزيد, قال: يقال: الراسخون في العلم المتواضعون لله, المتذللون لله في مرضاته, لا يتعاظمون على من فوقهم ولا يحقرون من دونهم, ثم قال تعالى مخبراً أنهم دعوا ربهم قائلين {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا}, أي لا تملها عن الهدي بعد إذ أقمتها عليه ولا تجعلنا كالذين في قلوبهم زيغ, الذين يتبغون ما تشابه من القرآن, ولكن ثبتنا على صراطك المستقيم, ودينك القويم, {وهب لنا من لدنك} أي من عندك {رحمة} تثبت بها قلوبنا وتجمع بهاشملنا, وتزيدنا بها إيماناً وإيقاناً, {إنك أنت الوهاب}.
 
و في ظلال ا القرأن بتصرف
(الله لا إله إلا هو الحي القيوم . نزل عليك الكتاب بالحق  
  . هذاالقرآن هو كتاب هذه الدعوة . هو روحها وباعثها . وهو قوامها وكيانها . وهوحارسهاوراعيها . وهو بيانها وترجمانها . وهو دستورها ومنهجها .   .
ومعجزةالقرآن البارزة تكمن في أنه نزل لمواجهة واقع معين في حياة أمة معينة ,فيفترة من فترات التاريخ محددة , وخاض بهذه الأمة معركة كبرى حولت تاريخها وتاريخالبشريةكله معها , ولكنه - مع هذا - يعايش ويواجه ويملك أن يوجه الحياة الحاضرة ,وكأنماهو يتنزل اللحظة لمواجهة الجماعة المسلمة في شؤونها
 الجارية , وفي صراعهاالراهنمع الجاهلية من حولها , وفي معركتها كذلك في داخل النفس , وفي عالم الضمير ,بنفسالحيوية , ونفس الواقعية التي كانت له هناك يومذاك .
ولكينحصل نحن من القرآن على قوته الفاعلة , وندرك حقيقة ما فيه من الحيويةالكامنة , ونتلقى منه التوجيه المدخر للجماعة المسلمة في كل جيل . . ينبغي أننستحضرفي تصورنا كينونة الجماعة المسلمة الأولى التي خوطبت بهذا القرآن أول مرة .
. كينونتها وهي تتحرك في واقع الحياة , وتواجه الأحداث في المدينة وفي الجزيرةالعربيةكلها ; وتتعامل مع أعدائها وأصدقائها ; وتتصارع مع شهواتها وأهوائها ;ويتنزلالقرآن حينئذليواجه هذا كله , ويوجه خطاها في أرضالمعركةالكبيرة:مع نفسها التي بين جنبيها , ومع أعدائها المتربصين بها في المدينةوفيمكة وفيما حولهما . . وفيما وراءهما كذلك . .
ومنثم نشعر أننا نحن أيضا مخاطبون بالقرآن في مثل ما خوطبت به الجماعة الأولى .وأنبشريتنا التي نراها ونعرفها ونحسها بكل خصائصها , تملك الاستجابة للقرآن ,والانتفاعبقيادته في ذات الطريق .
إننابهذه النظرة سنرى القرآن حيا يعمل في حياة الجماعة المسلمة الأولى ; ويملكأنيعمل في حياتنا نحن أيضا . وسنحس أنه معنا اليوم وغدا . وأنه ليس مجرد تراتيلتعبديةمهومة بعيدة عن واقعنا المحدد , كما أنه ليس تاريخا مضى وانقضى وبطلتفاعليتهوتفاعله مع الحياة البشرية .
إنالقرآن حقيقة ذات كينونة مستمرة كهذا الكون ذاته . الكون كتاب الله المنظور .والقرآنكتاب الله المقروء . وكلاهما شهادة ودليل على صاحبه المبدع ; كما أن كليهماكائنليعمل . . والكون بنواميسه ما زال يتحرك ويؤدي دوره الذي قدره له باروه .الشمسما زالت تجري في فلكها وتؤدي دورها , والقمر والأرض , وسائر النجوم والكواكبلايمنعها تطاول الزمان من أداء دورها , وجدة هذا الدور في المحيط الكوني . .والقرآنكذلك أدى دوره للبشرية , وما يزال هو هو . فالإنسان ما يزال هوهو كذلك . مايزالهو هو في حقيقته وفي أصل فطرته . وهذا القرآن هو خطاب الله لهذا الإنسان -فيمنخاطبهم الله به . خطاب لا يتغير , لأن الإنسان ذاته لم يتبدل خلقا آخر , مهماتكنالظروف والملابسات قد تبدلت من حوله , ومهما يكن هو قد تأثر وأثر في هذه الظروفوالملابسات . . والقرآن يخاطبه في أصل فطرته وفي أصل حقيقته التي لا تبديل فيها ولاتغيير ; ويملك أن يوجه حياته اليوم وغدا لأنه معد لهذا , بما أنه خطاب الله الأخير ; وبما أن طبيعته كطبيعة هذا الكون ثابتة متحركة بدون تبديل .
ألم)الله لا إله إلا هو). . فلا شريك له في الألوهية . .(الحي). . الذي يتصف بحقيقةالحياةالذاتية المطلقة من كل قيد فلا شبيه له في صفته . .(القيوم). . الذي به تقومكلحياة وبه يقوم كل وجود ; والذي يقوم كذلك على كل حياة وعلى كل وجود . فلا قياملحياةفي هذا الكون ولا وجود إلا به سبحانه .
وهذامفرق الطريق في التصور والاعتقاد . ومفرق الطريق في الحياة والسلوك .
 ولقدحكى القرآن عن اليهود أنهم كانوا يقولون:عزير ابن الله .  
فأماانحرافات التصورات المسيحية فقد حكى القرآن منها قولهم:إن الله ثالث ثلاثة . وقولهم:إن الله هو المسيح بن مريم . واتخاذهم المسيح وأمه إلهين من دون الله .واتخاذهمأحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله . . 
ثمتتضمن الآية في شطرها الثاني التهديد الوعيد  للذين كفروا بآيات الله , وتلوحلهمبعزة الله وقوته وشدة عذابه وانتقامه . . والذين كفروا بآيات الله هم الذينكذبوابهذا الدين الواحد بإطلاقه . . وأهل الكتاب الذين انحرفوا عن كتاب اللهالصحيحالمنزل إليهم من قبل , فقادهم هذا الانحراف إلى التكذيب بالكتاب الجديد -
(إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء). .
وتوكيدالعلم المطلق الذي لا يخفى عليه شيء , وإثبات هذه الصفة لله - سبحانه -فيهذا المقام . . هذا التوكيد يتفق أولا مع وحدانية الألوهية والقوامة التي افتتحبهاالسياق . كما يتفق مع التهديد   في الآية السابقة . .
فلن يفلت "شيء " منعلمالله (في الأرض ولا في السماء)بهذا الشمول والإطلاق . ولن يمكن إذن ستر النواياعليه , ولا إخفاء الكيد عنه . ولن يمكن كذلك التفلت من الجزاء الدقيق , ولا التهربمنالعلم اللطيف العميق .
وفيظلال العلم اللطيف الشامل الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماءيلمسالمشاعر الإنسانية لمسة رفيقة عميقة , تتعلق بالنشأة الإنسانية . النشأةالمجهولةفي ظلام الغيب وظلام الأرحام , حيث لا علم للإنسان ولا قدرة ولا إدراك:
هُوَالَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّهُوَالْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6)
الذييتولى التصوير , بمحض إرادته , ومطلق مشيئته: (كيف يشاء). . (لا إلهإلاهو). .(العزيز). . ذو القدرة والقوة على الصنع والتصوير(الحكيم). . الذي يدبرالأمربحكمته فيما يصور ويخلق بلا معقب ولا شريك .
وفيهذه اللمسة تجلية لشبهات النصارى في عيسى عليه السلام ونشأته ومولده . فاللههوالذي صور عيسى . . (كيف يشاء). . لا أن عيسى هو الرب . أو هو الله . أو هو الابن . أو هو الأقنوم اللاهوتي الناسوتي . إلى آخر ما انتهت إليه التصوارت المنحرفةالغامضةالمجانبة لفكرة التوحيد الناصعة الواضحة اليسيرة التصور القريبة الإدراك !هو الذي أنزل عليك الكتاب . منه آيات محكمات هن أم الكتاب , وأخر متشابهات .فأماالذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله . ومايعلمتأويله إلا الله . والراسخون في العلم يقولون:آمنا به . كل من عند ربنا - ومايذكرإلا أولوا الألباب - ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا , وهب لنا من لدنك رحمة . إنك أنت الوهاب . ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه . إن الله لا يخلفالميعاد). .
 فأماالأصول الدقيقة للعقيدة والشريعة فهي مفهومة المدلولات قاطعة الدلالة ,مدركةالمقاصد - وهي أصل هذا الكتاب - وأما السمعيات والغيبيات - ومنها نشأة عيسىعليهالسلام ومولده - فقد جاءت للوقوف عند مدلولاتها القريبة والتصديق بها لأنهاصادرةمن هذا المصدر "الحق" ويصعب إدراك ماهياتها وكيفياتها , لأنها بطبيعتها فوقوسائلالإدراك الإنساني المحدود .
وهنايختلف الناس - حسب استقامة فطرتهم أو زيغها - في استقبال هذه الآيات وتلك .فأماالذين في قلوبهم زيغ وانحراف وضلال عن سواء الفطرة , فيتركون الأصول الواضحةالدقيقةالتي تقوم عليها العقيدة والشريعة والمنهاج العملي للحياة , ويجرون وراءالمتشابهالذي يعول في تصديقه على الإيمان بصدق مصدره , والتسليم بأنه هو الذي يعلم "الحق" كله , بينما الإدراك البشري نسبي محدود المجال . كما يعول فيه على استقامةالفطرةالتي تدرك بالإلهام المباشر صدق هذا الكتاب كله , وأنه نزل بالحق لا يأتيهالباطلمن بين 0000
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا . وهب لنا من لدنك رحمة . إنك أنت الوهاب .ربناإنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه . إن الله لا يخلف الميعاد). .
هذاهو حال الراسخين في العلم مع ربهم ; وهو الحال اللائق بالإيمان ; المنبثق منالطمأنينةلقول الله ووعده ; والثقة بكلمته وعهده ; والمعرفة برحمته وفضله ;والإشفاقمع هذا من قضائه المحكم وقدره المغيب ; والتقوى والحساسية واليقظة التييفرضهاالإيمان على قلوب أهله , فلا تغفل ولا تغتر ولا تنسى في ليل أو نهار . .
 
 (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا). .
وينادونرحمة الله التي أدركتهم مرة بالهدى بعد الضلال , ووهبتهم هذا العطاءالذيلا يعدله عطاء:
(وهب لنا من لدنك رحمة . إنك أنت الوهاب). .
وهمبوحي إيمانهم يعرفون أنهم لا يقدرون على شيء إلا بفضل الله ورحمته . وأنهملايملكون قلوبهم فهي في يد الله . . فيتجهون إليه بالدعاء أن يمدهم بالعون والنجاة .
عنعائشة - رضي الله عنها - قالت:كان رسول الله [ ص ] كثيرا ما يدعو:" يا مقلبالقلوبثبت قلبي على دينك " قلت:يا رسول الله , ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء .فقال:" ليس من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن . إذا شاء أن يقيمه أقامه ,وإنشاء أن يزيغه أزاغه " . .
 قال ابن سعدي عن هذه النفحة في تفسيره 
افتتحها تبارك وتعالى بالإخبار بألوهيته، وأنه الإله الذي لا إله إلا هو الذي لا ينبغي التأله والتعبد إلا لوجهه، فكل معبود سواه فهو باطل، والله هو الإله الحق المتصف بصفات الألوهية التي مرجعها إلى الحياة والقيومية، فالحي من له الحياة العظيمة الكاملة المستلزمة لجميع الصفات التي لا تتم ولا تكمل الحياة إلا بها كالسمع والبصر والقدرة والقوة والعظمة والبقاء والدوام والعز الذي لا يرام { القيوم } الذي قام بنفسه فاستغنى عن جميع مخلوقاته، وقام بغيره فافتقرت إليه جميع مخلوقاته في الإيجاد والإعداد والإمداد، فهو الذي قام بتدبير الخلائق وتصريفهم، تدبير للأجسام وللقلوب والأرواح.
ومن قيامه تعالى بعباده ورحمته بهم أن نزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم الكتاب، الذي هو أجل الكتب وأعظمها المشتمل على الحق في إخباره وأوامره ونواهيه، فما أخبر به صدق، وما حكم به فهو العدل، وأنزله بالحق ليقوم الخلق بعبادة ربهم ويتعلموا كتابه { مصدقا لما بين يديه } من الكتب السابقة، فهو المزكي
 لها، فما شهد له فهو المقبول، وما رده فهو المردود، وهو المطابق لها في جميع المطالب التي اتفق عليها المرسلون، وهي شاهدة له بالصدق، فأهل الكتاب لا يمكنهم التصديق بكتبهم إن لم يؤمنوا به، فإن كفرهم به ينقض إيمانهم بكتبهم، ثم قال تعالى { وأنزل التوراة } أي: على موسى { والإنجيل } على عيسى.
{ من قبل } إنزال القرآن { هدى للناس } الظاهر أن هذا راجع لكل ما تقدم، أي: أنزل الله القرآن والتوراة والإنجيل هدى للناس من الضلال، فمن قبل هدى الله فهو المهتدي، ومن لم يقبل ذلك بقي على ضلاله { وأنزل الفرقان } أي: الحجج والبينات والبراهين القاطعات الدالة على جميع المقاصد والمطالب، وكذلك فصل وفسر ما يحتاج إليه الخلق حتى بقيت الأحكام جلية ظاهرة، فلم يبق لأحد عذر ولا حجة لمن لم يؤمن به وبآياته، فلهذا قال { إن الذين كفروا بآيات الله } أي: بعد ما بينها ووضحها وأزاح العلل { لهم عذاب شديد } لا يقدر قدره ولا يدرك وصفه { والله عزيز } أي: قوي لا يعجزه شيء { ذو انتقام } ممن عصاه.
 إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء } وهذا فيه تقرير إحاطة علمه بالمعلومات كلها، جليها وخفيها، ظاهرها وباطنها، ومن جملة ذلك الأجنة في البطون التي لا يدركها بصر المخلوقين، ولا ينالها علمهم، وهو تعالى يدبرها بألطف تدبير، ويقدرها بكل تقدير، فلهذا قال { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء } { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء } من كامل الخلق وناقصه، وحسن وقبيح، وذكر وأنثى { لا إله إلا هو العزيز الحكيم } تضمنت هذه الآيات تقرير إلهية الله وتعينها، وإبطال إلهية ما سواه، وفي ضمن ذلك رد على النصارى الذين يزعمون إلهية عيسى ابن مريم عليه السلام، وتضمنت إثبات حياته الكاملة وقيوميته التامة، المتضمنتين جميع الصفات المقدسة كما تقدم، وإثبات الشرائع الكبار، وأنها رحمة وهداية للناس، وتقسيم الناس إلى مهتد وغيره، وعقوبة من لم يهتد بها، وتقرير سعة علم الباري ونفوذ مشيئته وحكمته.
{ 7 - 9 } { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ }
القرآن العظيم كله محكم كما قال تعالى { كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير } فهو مشتمل على غاية الإتقان والإحكام والعدل والإحسان { ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } وكله متشابه في الحسن والبلاغة وتصديق بعضه لبعضه ومطابقته لفظا ومعنى، وأما الإحكام والتشابه المذكور في هذه الآية فإن القرآن كما ذكره الله { منه آيات محكمات } أي: واضحات الدلالة، ليس فيها شبهة ولا إشكال { هن أم الكتاب } أي: أصله الذي يرجع إليه كل متشابه، وهي معظمه وأكثره، { و } منه آيات { أخر متشابهات } أي: يلتبس معناها على كثير من الأذهان: لكون دلالتها مجملة، أو يتبادر إلى بعض الأفهام غير المراد منها، فالحاصل أن منها آيات بينة واضحة لكل أحد، وهي الأكثر التي يرجع إليها، ومنه آيات تشكل على بعض الناس، فالواجب في هذا أن يرد المتشابه إلى المحكم والخفي إلى الجلي، فبهذه الطريق يصدق بعضه بعضا ولا يحصل فيه مناقضة ولا معارضة، ولكن الناس انقسموا إلى فرقتين { فأما الذين في قلوبهم زيغ } أي: ميل عن الاستقامة بأن فسدت مقاصدهم، وصار قصدهم الغي والضلال وانحرفت قلوبهم عن طريق الهدى والرشاد { فيتبعون ما تشابه منه } أي: يتركون المحكم الواضح ويذهبون إلى المتشابه، ويعكسون الأمر فيحملون المحكم على المتشابه { ابتغاء الفتنة } لمن يدعونهم لقولهم، فإن المتشابه تحصل به الفتنة بسبب الاشتباه الواقع فيه، وإلا فالمحكم الصريح ليس محلا للفتنة، لوضوح الحق فيه لمن قصده اتباعه، وقوله { وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله } للمفسرين في الوقوف على { الله } من قوله { وما يعلم تأويله إلا الله } قولان، جمهورهم يقفون
 عندها، وبعضهم يعطف عليها { والراسخون في العلم } وذلك كله محتمل، فإن التأويل إن أريد به علم حقيقة الشيء وكنهه كان الصواب الوقوف على { إلا الله } لأن المتشابه الذي استأثر الله بعلم كنهه وحقيقته، نحو حقائق صفات الله وكيفيتها، وحقائق أوصاف ما يكون في اليوم الآخر ونحو ذلك، فهذه لا يعلمها إلا الله، ولا يجوز التعرض للوقوف عليها، لأنه تعرض لما لا يمكن معرفته، كما سئل الإمام مالك رحمه الله عن قوله { الرحمن على العرش [استوى ] }  فقال السائل: كيف استوى؟ فقال مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فهكذا يقال في سائر الصفات لمن سأل عن كيفيتها أن يقال كما قال الإمام مالك، تلك الصفة معلومة، وكيفيتها مجهولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة، وقد أخبرنا الله بها ولم يخبرنا بكيفيتها، فيجب علينا الوقوف على ما حد لنا، فأهل الزيغ يتبعون هذه الأمور المشتبهات تعرضا لما لا يعني، وتكلفا لما لا سبيل لهم إلى علمه، لأنه لا يعلمها إلا الله، وأما الراسخون في العلم فيؤمنون بها ويكلون المعنى إلى الله فيسلمون ويسلمون، وإن أريد بالتأويل التفسير والكشف والإيضاح، كان الصواب عطف { الراسخون } على { الله } فيكون الله قد أخبر أن تفسير المتشابه ورده إلى المحكم وإزالة ما فيه من الشبهة لا يعلمها إلا هو تعالى والراسخون في العلم يعلمون أيضا، فيؤمنون بها ويردونها للمحكم ويقولون { كل } من المحكم والمتشابه { من عند ربنا } وما كان من عنده فليس فيه تعارض ولا تناقض بل هو متفق يصدق بعضه بعضا ويشهد بعضه لبعض  وفيه تنبيه على الأصل الكبير، وهو أنهم إذا علموا أن جميعه من عند الله، وأشكل عليهم مجمل المتشابه، علموا يقينا أنه مردود إلى المحكم، وإن لم يفهموا وجه ذلك. ولما رغب تعالى في التسليم والإيمان بأحكامه وزجر عن اتباع المتشابه قال { وما يذكر } أي: يتعظ بمواعظ الله ويقبل نصحه وتعليمه إلا { أولوا الألباب } أي: أهل العقول الرزينة لب العالم وخلاصة بني آدم يصل التذكير إلى عقولهم، فيتذكرون ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرهم فيتركونه، وأما من عداهم فهم القشور الذي لا حاصل له ولا نتيجة تحته، لا ينفعهم الزجر والتذكير لخلوهم من العقول النافعة.
ثم أخبر تعالى عن الراسخين في العلم أنهم يدعون ويقولون { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا } أي: لا تملها عن الحق جهلا وعنادا منا، بل اجعلنا مستقيمين هادين مهتدين، فثبتنا على هدايتك وعافنا مما  ابتليت به الزائغين { وهب لنا من لدنك رحمة } أي: عظيمة توفقنا بها للخيرات وتعصمنا بها من المنكرات { إنك أنت الوهاب } أي: واسع العطايا والهبات، كثير الإحسان الذي عم جودك جميع البريات. ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إنك لا تخلف الميعاد } فمجازيهم بأعمالهم حسنها وسيئها، وقد أثنى الله تعالى على الراسخين في العلم بسبع صفات هي عنوان سعادة العبد: إحداها: العلم الذي هو الطريق الموصل إلى الله، المبين لأحكامه وشرائعه، الثانية: الرسوخ في العلم وهذا قدر زائد على مجرد العلم، فإن الراسخ في العلم يقتضي أن يكون عالما محققا، وعارفا مدققا، قد علمه الله ظاهر العلم وباطنه، فرسخ قدمه في أسرار الشريعة علما وحالا وعملا، الثالثة: أنه وصفهم بالإيمان بجميع كتابه ورد لمتشابهه إلى محكمه، بقوله { يقولون آمنا به كل من عند ربنا } الرابعة: أنهم سألوا الله العفو والعافية مما ابتلي به الزائغون المنحرفون، الخامسة: اعترافهم بمنة الله عليهم بالهداية وذلك قوله { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا } السادسة: أنهم مع هذا سألوه رحمته المتضمنة حصول كل خير واندفاع كل شر، وتوسلوا إليه باسمه الوهاب، السابعة: أنه أخبر عن إيمانهم وإيقانهم بيوم القيامة وخوفهم منه، وهذا هو الموجب للعمل الرادع عن الزلل0  
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
النفحة السابعة
 
   {17} شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{18} إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ{19} فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ{20}  
 
أخي المسلم الحبيب ثم تأمل معي هذه النفحة وتذوق حلاوتها بأحاسيسك ووجدانك كرر قرأتها وتأمل معانيها وأهدافها وركز بفهم ماذا قال عنها بعض المفسرين وأصحاب الخواطرالايمانية 0 هنا ستدرك لماذا اخترت هذه النفحة 00 
تفسير الإمام جلال الدين السيوطي ((الجلالين ))
 
18 (شهد الله) بين لخلقه بالدلائل والآيات (أنه لا إله) أي لا معبود في الوجود بحق (إلا هو و) شهد بذلك (الملائكة) بالإقرار (وأولوا العلم) من الأنبياء والمؤمنين بالإعتقاد واللفظ (قائما) بتدبير مصنوعاته ونصبه على الحال والعامل فيها معنى أي تفرد (بالقسط) بالعدل (لا إله إلا هو) كرره تأكيدا (العزيز) في ملكه (الحكيم) في صنعه
19 (إن الدين) المرضي (عند الله) هو (الإسلام) أي الشرع المبعوث به الرسل المبني على التوحيد وفي قراءة بفتح {أن} بدل من أنه الخ بدل اشتمال (وما اختلف الذين أوتوا الكتاب) اليهود والنصارى في الدين بأن وحد بعض وكفر بعض (إلا من بعد ما جاءهم العلم) بالتوحيد (بغيا) من الكافرين (بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب) أي المجازاة له
20 (فإن حاجوك) خاصمك الكفار يا محمد في الدين (فقل) لهم (أسلمت وجهي لله) انقدت له أنا (ومن اتبعن) وخص الوجه بالذكر لشرفه فغيره أولى (وقل للذين أوتوا الكتاب) اليهود والنصارى (والأميين) مشركي العرب (أأسلمتم) أي أسلموا (فإن أسلموا فقد اهتدوا) من الضلال (وإن تولوا) عن الإسلام (فإنما عليك البلاغ) التبليغ للرسالة (والله بصير بالعباد) فيجازيهم بأعمالهم وهذا قبل الأمر بالقتال
 
 قال ابن كثير عن هذه النفحة في تفسيرة   بتصرف
 
** شَهِدَ اللّهُ أَنّهُ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *  
قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه, حدثنا بقية بن الوليد حدثني جبير بن عمرو القرشي, حدثنا أبو سعيد الأنصاري عن أبي يحيى مولى آل الزبير بن العوام, عن الزبير بن العوام, قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة يقرأ هذه الاَية {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب,   وكان الأعمش: اذا قرأها قال وأنا أشهد بما شهد الله به, وأستودع الله هذه الشهادة وهي لي عند الله وديعة
  وقوله تعالى {إن الدين عند الله الإسلام} إخبار منه تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام, وهواتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين حتى ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد صلى الله عليه وسلم, فمن لقي الله بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم بدين على غير
 شريعته فليس بمتقبل, كما قال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه} الاَية, وقال في هذه الاَية مخبراً بانحصار الدين المتقبل عنده في الإسلام {إن الدين عند الله الإسلام}, وذكر ابن جرير أن ابن عباس قرأ {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام}, بكسر إنه, وفتح أن الدين عند الله الإسلام, أي شهد هو والملائكة وأولوا العلم من البشر بأن الدين عند الله الإسلام, والجمهور قرؤوها بالكسر على الخبر, وكلا المعنيين صحيح, ولكن هذا على قول الجمهور أظهر, والله أعلم, ثم أخبر تعالى بأن الذين أوتوا الكتاب الأول, إنما اختلفوا بعد ما قامت عليهم الحجة بإرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم, فقال: {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم} أي بغى بعضهم على بعض فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم, فحمل بعضهم بغض البعض الاَخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله وإن كانت حقاً, ثم قال تعالى: {ومن يكفر بآيات الله} أي من جحد ما أنزل الله في كتابه {فإن الله سريع الحساب} أي فإن الله سيجازيه على ذلك ويحاسبه على تكذيبه, ويعاقبه على مخالفته كتابه.
 عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «والذي نفسي بيده, لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهودي ولا نصراني ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار» رواه مسلم وقال صلى الله عليه وسلم «بعثت إلى الأحمر والأسود», وقال «كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة».
 وقال الإمام أحمد: حدثنا مؤمل, حدثنا حماد, حدثنا ثابت عن أنس رضي الله عنه: أن غلاماً يهودياً كان يضع للنبي صلى الله عليه وسلم وضوءه, ويناوله نعليه, فمرض, فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فدخل عليه وأبوه قاعد عند رأسه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «يا فلان قل لا إله إلا الله» فنظر إلى أبيه فسكت أبوه, فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم, فنظر إلى أبيه, فقال أبوه: أطع أبا القاسم, فقال الغلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله, فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول «الحمد لله الذي أخرجه بي من النار» رواه البخاري في الصحيح, إلى غير ذلك من الاَيات والأحاديث.
قال الشوكاني عن هذه النفحة في تفسيره فتح القدير بتصرف
 
قوله 18- "شهد الله" أي بين وأعلم. قال الزجاج: الشاهد هو الذي يعلم الشيء ويبينه، فقد دلنا على وحدانيته بما خلق وبين، وقال أبو عبيدة: شهد الله بمعنى قضى: أي أعلم. قال ابن عطية: وهذا مردود من جهات، وقيل إنها شبهت دلالته على وحدانيته بأفعاله ووحيه بشهادة الشاهد في كونها مبنية.   وشهادتهم إقرارهم بأنه لا إله إلا الله. وقوله " وأولو العلم " معطوف أيضاً على ما قبله وشهادتهم بمعنى الإيمان منهم وما يقع من البيان للناس على ألسنتهم، وعلى هذا لا بد من حمل الشهادة على معنى يشمل شهادة الله وشهادة الملائكة وأولي العلم. وقد اختلف في أولي العلم هؤلاء من هم؟ فقيل هم الأنبياء، وقيل المهاجرون والأنصار، قاله ابن كيسان، وقيل مؤمنو أهل الكتاب، قاله مقاتل، وقيل المؤمنون كلهم، قاله السدي والكلبي، وهو الحق إذ لا وجه للتخصيص. وفي ذلك فضيلة لأهل العلم جليلة، ومنقبة نبيلة لقربهم باسمه واسم ملائكته، والمراد بأولي العلم هنا علماء الكتاب والسنة وما يتوصل به إلى معرفتهما، إذ لا اعتداد بعلم لا مدخل له في العلم الذي اشتمل عليه الكتاب العزيز والسنة المطهرة. وقوله "قائماً بالقسط" أي العدل: أي قائماً بالعدل في جميع أموره أو مقيماً له، وانتصاب قائماً على الحال من الاسم الشريف. قال في الكشاف: إنها حال مؤكدة كقوله: "وهو الحق مصدقاً" وجاز إفراده سبحانه بذلك دون ما هو معطوف عليه من الملائكة وأولي العلم لعدم اللبس، وقيل: إنه منصوب على المدح، وقيل: إنه صفة لقوله: "إله" أي لا إله قائماً بالقسط إلا هو أو هو حال من قوله "إلا هو" والعامل فيه معنى الجملة. وقال الفراء: هو منصوب على القطع لأن أصله الألف واللام، فلما قطعت نصب كقوله "لا إله إلا هو" تكرير لقصد التأكيد، وقيل إن قوله "أنه لا إله إلا هو" كالدعوى، والأخيرة كالحكم. وقال جعفر الصادق الأولى وصف وتوحيد، والثانية رسم وتعليم. وقوله "العزيز الحكيم" مرتفعان على البدلية من الضمير أو الوصفية لفاعل شهد لتقرير معنى الوحدانية.
قوله 19- "إن الدين عند الله الإسلام". قرأه الجمهور بكسر إن على أن الجملة مستأنفة مؤكدة للجملة الأولى، وقرئ بفتح أن. قال الكسائي: أنصبهما جميعاً يعني قوله "شهد الله أنه" وقوله "إن الدين عند الله الإسلام" بمعنى شهد الله أنه كذا وأن الدين عند الله الإسلام. قال ابن كيسان: إن الثانية بدل من الأولى. وقد ذهب الجمهور إلى أن الإسلام هنا بمعنى الإيمان وإن كانا في الأصل متغايرين كما في حديث جبريل الذي بين فيه النبي صلى الله عليه وسلم معنى الإسلام ومعنى الإيمان، وصدقه جبريل، وهو في الصحيحين وغيرهما ولكنه قد يسمى كل واحد منهما باسم الآخر وقد ورد ذلك في الكتاب والسنة. قوله " وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم " فيه الإخبار بأن اختلاف اليهود والنصارى كان لمجرد البغي بعد أن علموا بأنه يجب عليهم الدخول في دين الإسلام بما تضمنته كتبهم المنزلة إليهم. قال الأخفش: وفي الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: ما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغياً بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم. والمراد بهذا الخلاف الواقع بينهم هو خلافهم في كون نبينا صلى الله عليه وسلم نبياً أم لا؟ وقيل: اختلافهم في نبوة عيسى، وقيل: اختلافهم في ذات بينهم حتى قالت اليهود: ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء. قوله "ومن يكفر بآيات الله" أي بالآيات الدالة على أن الدين عند الله الإسلام "فإن الله سريع الحساب" فيجازيه ويعاقبه على كفره بآياته، والإظهار في قوله فإن الله مع كونه مقام الإضمار للتهويل عليهم والتهديد لهم.
 .   عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن فاتحة الكتاب وآية الكرسي والآيتين من          آل عمران " شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم* إن الدين عند الله الإسلام ". "قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء" إلى قوله: "بغير حساب" هن معلقات بالعرش ما بينهن وبين الله حجاب، يقلن يا رب تهبطنا إلى أرضك وإلى من يعصيك؟ قال الله: إني حلفت لا يقرأكن أحد من عبادي دبر كل صلاة إلا جعلت الجنة مأواه على ما كان منه، وإلا أسكنته حظيرة القدس، وإلا نظرت إليه بعيني المكنونة كل يوم سبعين نظرة وإلا قضيت له كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة، وإلا أعذته من كل عدو ونصرته منه    
 
 
و في ظلالا القرأن بتصرف
 
شهد الله أنه لا إله إلا هو - والملائكة وأولوا العلم - قائما بالقسط . لا إلهإلاهو العزيز الحكيم). .
هذههي الحقيقة الأولى التي يقوم عليها التصور الاعتقادي في الإسلام . حقيقةالتوحيد:توحيد الألوهية , وتوحيد القوامة . . القوامة بالقسط . . وهي الحقيقة التيبدأتبها السورة: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم).  
وشهادةالله - سبحانه - أنه لا إله إلا هو . . هي حسب كل من يؤمن بالله . . وقديقال:إنه لا يكتفي بشهادة الله إلا من يؤمن بالله . وأن من يؤمن بالله ليس في حاجةإلىهذه الشهادة . . ولكن واقع الأمر أن أهل الكتاب كانوا يؤمنون بالله ولكنهم فينفسالوقت يجعلون له ابنا وشريكا . بل إن المشركين أنفسهم كانوا يؤمنون بالله ,ولكنالضلال كان يجيئهم من ناحية الشركاء والأنداد والأبناء والبنات ! فإذا قررلهؤلاءوهؤلاء أن الله - سبحانه - شهد أنه لا إله إلا هو , فهذا مؤثر قوي في تصحيحتصوراتهم .
 وأماشهادة الملائكة وشهادة أولي العلم , فهي متمثلة في طاعتهم لأوامر اللهوحدها , والتلقي عن الله وحده , والتسليم بكل ما يجيئهم من عنده بدون تشكك ولا جدال , متى ثبت لهم أنها من عنده . وقد سبق في السورة
 بيان حال أولي العلم هؤلاء فيقوله: (والراسخون في العلم يقولون:آمنا به , كل من عند ربنا). . فهذه شهادة أوليالعلموشهادة الملائكة:تصديق . وطاعة . واتباع . واستسلام .
(شهد الله أنه لا إله إلا هو - والملائكة وأولوا العلم - قائما بالقسط). .
فهيحالة ملازمة للألوهية كما تفيد صياغة العبارة . وهذا إيضاح للقوامة التيوردتفي مطلع السورة:
(الله لا إله إلا هو الحي القيوم). . فهي قوامة بالقسط .
وتدبيرالله لهذا الكون ولحياة الناس متلبس دائما بالقسط - وهو العدل - فلايتحققالعدل المطلق في حياة الناس , ولا تستقيم أمورهم استقامة أمور الكون , التييؤديكل كائن معها دوره في تناسق مطلق مع دور كل كائن آخر . . لا يتحقق هذا إلابتحكيممنهج الله الذي اختاره لحياة الناس , وبينه في كتابه . وإلا فلا قسط ولا عدل , ولا استقامة ولا تناسق , ولا تلاؤم بين دورة الكون ودورة الإنسان . وهو الظلم إذنوالتصادموالتشتت والضياع !
(لا إله إلا هو العزيز الحكيم). .
يؤكدحقيقة وحدة الألوهية مرة أخرى في الآية الواحدة , مصحوبة بصفة العزة وصفةالحكمة . والقدرة والحكمة لازمتان كلتاهما للقوامة بالقسط . فالقسط يقوم على وضعالأمورفي مواضعها مع القدرة على إنفاذها . وصفات الله سبحانه تصور وتوحي بالفاعليةالإيجابية . فلا سلبية في التصور الإسلامي لله . وهو أكمل تصور وأصدقه لأنه وصفاللهلنفسه سبحانه . وقيمة هذه الفاعلية الإيجابية أنها تعلق القلب بالله وإرادتهوفعله , فتصبح العقيدة مؤثرا حيا دافعا لا مجرد تصور فكري بارد !
ويرتبعلى هذه الحقيقة التي عاد لتوكيدها مرتين في الآية الواحدة , نتيجتهاالطبيعية . . الوهية واحدة . فلا عبودية إلا لهذه الألوهية الواحدة:
(إن الدين عند الله الإسلام  ). .
ألوهيةواحدة . . وإذن فدينونة واحدة . . واستسلام لهذه الألوهية لا يبقى معهشيءفي نفوس العباد ولا في حياتهم خارجا عن سلطان الله .
ألوهيةواحدة . . وإذن فجهة واحدة هي صاحبة الحق في تعبيد الناس لها ; وفيتطويعهملأمرها ; وفي إنفاذ شريعتها فيهم وحكمها ; وفي وضع القيم والموازين لهموأمرهمباتباعها ; وفي إقامة حياتهم كلها وفق التعليمات التي ترضاها . .
ألوهيةواحدة . . وإذن فعقيدة واحدة هي التي يرضاها الله من عباده . عقيدةالتوحيدالخالص الناصع . . ومقتضيات التوحيد هذه التي أسلفنا:
(إن الدين عند الله الإسلام). .
الإسلامالذي هو ليس مجرد دعوى , وليس مجرد راية , وليس مجرد كلمة تقال باللسان ; ولا حتى تصورا يشتمل عليه القلب في سكون ; ولا شعائر فردية يؤديها الأفراد فيالصلاةوالحج والصيام . . لا . فهذا ليس بالإسلام الذي لا يرضى الله من الناس ديناسواه . إنما الإسلام الاستسلام . الإسلام الطاعة والاتباع . الإسلام تحكيم كتاباللهفي أمور العباد . . كما سيجيء في السياق القرآني ذاته بعد قليل .
والإسلامتوحيد الألوهية والقوامة . . بينما كان أهل الكتاب يخلطون بين ذات الله - سبحانه - وذات المسيح - عليه السلام - كما يخلطون بين إرادة الله وإرادة المسيحأيضا . . ويختلفون فيما بينهم على هذه التصورات اختلافا عنيفا يصل في أحيان كثيرةإلىحد القتل والقتال . . هنا يبين الله لأهلالكتابوللجماعة المسلمة علة هذاالاختلاف:
(وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم . بغيا بينهم).
إنهليس اختلافا عن جهل بحقيقة الأمر . فقد جاءهم العلم القاطع بوحدانية الله ,وتفردالألوهية . وبطبيعة البشرية , وحقيقة العبودية . . ولكنهم إنما اختلفوا (بغيابينهم)واعتداء وظلما ; حينما تخلوا عن قسط الله وعدله الذي تتضمنه عقيدته وشريعتهوكتبه .
 
قال ابن سعدي عن هذه النفحة في تفسيره      بتصرف
هذا تقرير من الله تعالى للتوحيد بأعظم الطرق الموجبة له، وهي شهادته تعالى وشهادة خواص الخلق وهم الملائكة وأهل العلم، أما شهادته تعالى فيما أقامه من الحجج والبراهين القاطعة على توحيده، وأنه لا إله إلا هو، فنوع الأدلة في الآفاق والأنفس على هذا الأصل العظيم، ولو لم يكن في ذلك إلا أنه ما قام أحد بتوحيده إلا ونصره على المشرك الجاحد المنكر للتوحيد، وكذلك إنعامه العظيم الذي ما بالعباد من نعمة إلا منه، ولا يدفع النقم إلا هو، والخلق كلهم عاجزون عن المنافع والمضار لأنفسهم ولغيرهم، ففي هذا برهان قاطع على وجوب التوحيد وبطلان الشرك، وأما شهادة الملائكة بذلك فنستفيدها بإخبار الله لنا بذلك وإخبار رسله، وأما شهادة أهل العلم فلأنهم هم المرجع في جميع الأمور الدينية خصوصا في أعظم الأمور وأجلها وأشرفها وهو التوحيد، فكلهم من أولهم إلى آخرهم قد اتفقوا على ذلك ودعوا إليه وبينوا للناس الطرق الموصلة إليه، فوجب على الخلق التزام هذا الأمر المشهود عليه والعمل به، وفي هذا دليل على أن أشرف الأمور علم التوحيد لأن الله شهد به بنفسه وأشهد عليه خواص خلقه،  وفي هذه الآية دليل على شرف العلم من وجوه كثيرة، منها: أن الله خصهم بالشهادة على أعظم مشهود عليه دون الناس، ومنها: أن الله قرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، وكفى بذلك فضلا، ومنها: أنه جعلهم أولي العلم، فأضافهم إلى العلم، إذ هم القائمون به المتصفون بصفته، ومنها: أنه تعالى جعلهم شهداء وحجة على الناس، وألزم الناس العمل بالأمر المشهود به، فيكونون هم السبب في ذلك، فيكون كل من عمل بذلك نالهم من أجره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ومنها: أن إشهاده تعالى أهل العلم يتضمن ذلك تزكيتهم وتعديلهم وأنهم أمناء على ما استرعاهم عليه، ولما قرر توحيده قرر عدله، فقال: { قائمًا بالقسط } أي: لم يزل متصفا بالقسط في أفعاله وتدبيره بين عباده، فهو على صراط مستقيم في ما أمر به ونهى عنه، وفيما خلقه وقدره، ثم أعاد تقرير توحيده فقال { لا إله إلا هو العزيز الحكيم  
 واعلم أن هذا الأصل الذي هو توحيد الله وإفراده بالعبودية قد دلت عليه الأدلة النقلية والأدلة العقلية، حتى صار لذوي البصائر أجلى من الشمس، فأما الأدلة النقلية فكل ما في كتاب الله وسنة رسوله، من الأمر به وتقريره، ومحبة أهله وبغض من لم يقم به وعقوباتهم، وذم الشرك وأهله، فهو من الأدلة النقلية على ذلك، حتى كاد القرآن أن يكون كله أدلة عليه، وأما الأدلة العقلية التي تدرك بمجرد فكر العقل وتصوره للأمور فقد أرشد القرآن إليها
 ونبه على كثير منها، فمن أعظمها: الاعتراف بربوبية الله، فإن من عرف أنه هو الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور أنتج له ذلك أنه هو المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ولما كان هذا من أوضح الأشياء
 
 
 
 
 
وأعظمها أكثر الله تعالى من الاستدلال به في كتابه. ومن الأدلة العقلية على أن الله هو الذي يؤله دون غيره انفراده بالنعم ودفع النقم، فإن من عرف أن النعم الظاهرة والباطنة القليلة والكثيرة كلها من الله، وأنه ما من نقمة ولا شدة ولا كربة إلا وهو الذي ينفرد بدفعها وإن أحدا من الخلق لا يملك لنفسه - فضلا عن غيره- جلب نعمة ولا دفع نقمة، تيقن أن عبودية ما سوى الله من أبطل الباطل وأن العبودية لا تنبغي إلا لمن انفرد بجلب المصالح ودفع المضار، فلهذا أكثر الله في كتابه من التنبيه على هذا الدليل جدا، ومن الأدلة العقلية أيضا على ذلك: ما أخبر به تعالى عن المعبودات التي عبدت من دونه، بأنها لا تملك نفعا ولا ضرا، ولا تنصر غيرها ولا تنصر نفسها، وسلبها الأسماع والأبصار، وأنها على فرض سماعها لا تغني شيئا، وغير ذلك من الصفات الدالة على نقصها غاية النقص، وما أخبر به عن نفسه العظيمة من الصفات الجليلة والأفعال الجميلة، والقدرة والقهر، وغير ذلك من الصفات التي تعرف بالأدلة السمعية والعقلية، فمن عرف ذلك حق المعرفة عرف أن العبادة لا تليق ولا تحسن إلا بالرب العظيم الذي له الكمال كله، والمجد كله، والحمد كله، والقدرة كلها، والكبرياء كلها، لا بالمخلوقات المدبرات الناقصات الصم البكم الذين لا يعقلون، ومن الأدلة العقلية على ذلك ما شاهده العباد بأبصارهم من قديم الزمان وحديثه، من الإكرام لأهل التوحيد، والإهانة والعقوبة لأهل الشرك، وما ذاك إلا لأن التوحيد جعله الله موصلا إلى كل خير دافعا لكل شر ديني ودنيوي، وجعل الشرك به والكفر سببا للعقوبات الدينية والدنيوية، ولهذا إذا ذكر تعالى قصص الرسل مع أمم المطيعين والعاصين، وأخبر عن عقوبات العاصين ونجاة الرسل ومن تبعهم، قال عقب كل قصة: { إن في ذلك لآية } أي: لعبرة يعتبر بها المعتبرون فيعلمون أن توحيده هو الموجب للنجاة، وتركه هو الموجب للهلاك، فهذه من الأدلة الكبار العقلية النقلية الدالة على هذا الأصل العظيم، وقد أكثر الله منها في كتابه وصرفها ونوعها ليحيى من حي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة فله الحمد والشكر والثناء.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
النفحة الثامنة
 
 قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{26} تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ{27} لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ{28} قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{29}
 
أخي المسلم الحبيب ثم تأمل معي هذه النفحة وتذوق حلاوتها بأحاسيسك ووجدانك كرر قرأتها وتأمل معانيها وأهدافها وركز بفهم ماذا قال عنها بعض المفسرين وأصحاب الخواطرالايمانية 0 هنا ستدرك لماذا اخترت هذه النفحة  
ماقيل عنها في التفاسير
‏ تفسير الإمام جلال الدين السيوطي (الجلالين )
نزلت لما وعد صلى الله عليه وسلم أمته ملك فارس والروم فقال المنافقون هيهات: (قل اللهم) يا الله (مالك الملك تؤتي) تعطي (الملك من تشاء) من خلقك (وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء) بإيتائه (وتذل من تشاء) بنزعه منه (بيدك)   (الخير) أي والشر (إنك على كل شيء قدير)
27 (تولج) تدخل (الليل في النهار وتولج النهار) تدخله (في الليل) فيزيد كل منهما بما نقص من الآخر (وتخرج الحي من الميت) كالإنسان والطائر من النطفة والبيضة (وتخرج الميت) كالنطفة والبيضة (من الحي وترزق من تشاء بغير حساب) أي رزقا واسعا
28 (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء) يوالونهم (من دون) أي غير (المؤمنين ومن يفعل ذلك) أي يواليهم (فليس من) دين (الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة) مصدر تقيته أي تخافوا مخافة فلكم موالاتهم باللسان دون القلب وهذا قبل عزة الإسلام ويجري فيمن هو في بلد ليس قويا فيها (ويحذركم) يخوفكم (الله نفسه) أن يغضب عليكم إن واليتموهم (وإلى الله المصير) المرجع فيجازيكم
29 (قل) لهم (إن تخفوا ما في صدوركم) قلوبكم من موالاتهم (أو تبدوه) تظهروه (يعلمه الله و) هو (يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير) ومنه تعذيب من والاهم
30 اذكر (يوم تجد كل نفس ما عملتـ) ـه (من خير محضراً وما عملتـ) ـه (من سوء) مبتدأ خبره (تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا) غاية في نهاية البعد فلا يصل إليها (ويحذركم الله نفسه) كرر للتأكيد (والله رؤوف بالعباد)
 
قال ابن كثير عن هذه النفحة في تفسيرة   بتصرف
 
   يقول تبارك وتعالى: {قل} يا محمد معظماً لربك وشاكراً له ومفوضاً إليه ومتوكلاً عليه {اللهم مالك الملك} أي لك الملك كله {تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء} أي أنت المعطي, وأنت المانع, وأنت الذي ما شئت كان, وما لم تشأ لم يكنوفي هذه الاَية تنبيه وإرشاد إلى شكر نعمة الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم وهذه الأمة, لأن الله تعالى حول النبوة من بني إسرائيل إلى
النبي العربي القرشي الأمي المكي, خاتم الأنبياء على الإطلاق, ورسول الله إلى جميع الثقلين: الإنس والجن, الذي جمع الله فيه محاسن من كان قبله, وخصه بخصائص لم يعطها نبياً من الأنبياء, ولا رسولاً من الرسل في العلم با لله وشريعته, واطلاعه على الغيوب الماضية والاَتية, وكشفه له عن حقائق الاَخرة, ونشر أمته في الاَفاق
 في مشارق الأرض ومغاربها, وإظهار دينه وشرعه على سائر الأديان والشرائع, فصلوات الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين ما تعاقب الليل والنهار. ولهذا قال تعالى: {قل اللهم مالك الملك} الاَية, أي أنت المتصرف في خلقك, الفعال لما تريد, كما رد تعالى على من يحكم عليه في أمره حيث قال {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}, قال الله رداً عليهم {أهم يقسمون رحمة ربك} الاَية, أي نحن نتصرف فيما خلقنا كما نريد بلا ممانع ولا مدافع, ولنا الحكمة البالغة, والحجة التامة في ذلك, وهكذا يعطي النبوة لمن يريد, كما قال تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} وقال تعالى: {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض} الاَية, وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة إسحاق بن أحمد من تاريخه, عن المأمون الخليفة, أنه رأى في قصر ببلاد الروم مكتوباً بالحميرية, فعرب له, فإذا هو بسم الله ما اختلف الليل والنهار, ولا دارت نجوم السماء في الفلك إلا بنقل النعيم عن ملك قد زال سلطانه إلى ملك. ومُلْكُ ذي العرش دائم أبداً ليس بفان ولا بمشترك. وقوله تعالى: {تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل} أي تأخذ من طول هذا فتزيده في قصر هذا, فيعتدلان, ثم تأخذ من هذا في هذا فيتفاوتان, ثم يعتدلان, وهكذا في فصول السنة ربيعاً وصيفاً وخريفاً وشتاء, وقوله تعالى: {وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي} أي تخرج الزرع من الحب, والحب من الزرع, والنخلة من النواة, والنواة من النخلة, والمؤمن من الكافر, والكافر من المؤمن, والدجاجة من البيضة, والبيضة من الدجاجة, وما جرى هذا المجرى من جميع الأشياء {وترزق من تشاء بغير حساب} أي تعطي من شئت من المال ما لا يعد ولا يقدر على إحصائه, وتقتر على آخرين لما لك في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة والعدل قال الطبراني: حدثنا محمد بن زكريا الغلابي, حدثناجعفر بن جسْر بن فرقد, حدثنا أبي عن عمرو بن مالك, عن أبي الجوزاء, عن ابن عباس رضي الله عنهما, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال: «اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في هذه الاَية من آل عمران {قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير}.
 قال الشوكاني عن هذه النفحة في تفسيره فتح القدير بتصرف
قوله 26- "قل اللهم". قال الخليل وسيبويه وجميع البصرين: إن أصل اللهم يا ألله، فلما استعملت الكلمة دون حرف الندا الذي هو يا جعلوا بدله هذه الميم المشددة فجاءو بحرفين وهما الميمان عوضاً من حرفين وهما الياء والألف، والضمة في الهاء هي ضمة الاسم المنادى المفرد. وذهب الفراء والكوفيون إلى أن الأصل في اللهم يا ألله أمنا بخير، فحذف وخلط الكلمتان، والضمة التي في الهاء هي الضمة التي كانت في أمنا لما حذفت الهمزة انتقلت الحركة. قال النحاس: هذا عند البصريين من الخطأ العظيم، والقول في هذا ما قاله الخليل وسيبويه. قال الكوفيون: وقد يدخل حرف النداء على اللهم، وأنشدوا في ذلك قول الراجز: غفرت أو عذبت يا اللهما وقول الآخر: وما عليك أن تقول كلما سبحت أو هللت ياللهما وقول الآخر: إني إذا ما حدث ألما أقول ياللهم ياللهما قالوا: ولو كان الميم عوضاً من حرف النداء لما اجتمعنا. قال الزجاج: وهذا شاذ لا يعرف قائله. قال النضر بن شميل: من قال اللهم فقد دعا الله بجميع أسمائه. قوله "مالك الملك" أي مالك جنس الملك على الإطلاق، ومالك منصوب عند سيبويه على أنه نداء ثان، أي يا مالك الملك، ولا يجوز عنده أن يكون وصفاً لقوله "اللهم" لأن الميم عنده تمنع الوصفية. وقال محمد بن يزيد المبرد وإبراهيم بن السري الزجاج: إنه صفة لاسم الله تعالى، وكذلك قوله تعالى "قل اللهم فاطر السموات والأرض". قال أبو علي الفارسي: وهو مذهب المبرد، وما قاله سيبويه أصوب وأبين، وذلك لأنه اسم مفرد ضم إليه صوت والأصوات لا توصف نحو غاق وما أشبهه. قال الزجاج: والمعنى مالك العباد وما ملكوا، وقيل المعنى مالك الدنيا والآخرة، وقيل الملك هنا: النبوة، وقيل: الغلبة، وقيل: المال والعبيد. والظاهر شموله لما يصدق عليه اسم الملك من غير تخصيص "تؤتي الملك من تشاء" أي: من تشاء إيتاءه إياه "وتنزع الملك ممن تشاء" نزعه منه. والمراد بما يؤتيه من الملك وينزعه هو نوع من أنواع ذلك الملك العام. قوله "وتعز من تشاء" أي في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما، يقال عز: إذا غلب، ومنه "وعزني في الخطاب". وقوله "وتذل من تشاء"
 
 
أي في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما، يقال ذل يذل ذلاً: إذا غلب وقهر. قوله "بيدك الخير" تقديم الخبر للتخصيص: أي بيدك الخير لا بيد غيرك، وذكر الخير دون الشر، لأن الخير بفضل محض بخلاف الشر فإنه يكون جزاء لعمل وصل إليه، وقيل لأن كل شر من حيث كونه من قضائه سبحانه هو متضمن للخير فأفعاله كلها خير، وقيل إنه حذف كما حذف في قوله "سرابيل تقيكم الحر" وأصله بيدك الخير والشر، وقيل خص الخير لأن المقام مقام دعاء. قوله "إنك على كل شيء قدير" تعليل لما سبق وتحقيق له.
قوله 27- "تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل" أي: تدخل ما نقص من أحدهما في الآخر، وقيل المعنى تعاقب بينهما ويكون زوال أحدهما ولوجاً في الآخر. قوله "وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي" قيل المراد إخراج الحيوان وهو حي من النطفة وهي ميتة، وإخراج النطفة وهي ميتة من الحيوان وهو حي، وقيل المراد إخراج الطائر وهو حي من البيضة وهي ميتة، وإخراج البيضة وهي ميتة من الدجاجة وهي حية، وقيل المراد إخراج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. قوله " بغير حساب" أي: بغير تضييق ولا تقتير كما تقول فلان يعطي بغير حساب، والباء متعلقة بمحذوف وقع حالاً. وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتاد

المزيد